الصفحة 71 من 114

ويقرأ كذلك في الجانب الآخر: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد: 11] ، {ذلك بأن الله لم يك مغيرًا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الأنفال: 53] ، {بل الإنسان على نفسه بصيرة، ولو ألقى معاذيره} ،"ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها [الشمس: 7 - 10] ، {ومن يكسب إثمًا فإنما يكسبه على نفسه} [النساء: 111] ."

ثم يقرأ بعد هذا وذلك: {كلا إنه تذكرة، فمن شاء ذكره، وما يذكرون إلا أن يشاء الله، هو أهل التقوى وأهل المغفرة} [المدثر: 54 - 56] ، {إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا، وما تشاءون إلا أن يشاء الله} [الإنسان: 29 - 30] ، {أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم: أنّى هذا؟ قل: هو من عند أنفسكم، إن الله على كل شيء قدير، وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله} [آل عمران: 165 - 166] .

يقرأ الإنسان أمثال هذه المجموعات المنوعة الثلاثة، فيدرك منها سعة مفهوم"القدر"في التصور الإسلامي، مع بيان المجال الذي تعمل فيه المشيئة الإنسانية في حدود هذا القدر المحيط.

لقد ضربت الفلسفات والعقائد المحرفة في التيه - في هذه القضية - ولم تعد إلا بالحيرة والتخليط، بما في ذلك من خاضوا في هذه القضية من متكلمي المسلمين أنفسهم ... ذلك أنهم قلدوا منهج الفلسفة الإغريقية، أكثر مما تأثروا بالمنهج الإسلامي، في علاج هذه القضية.

في التصور الإسلامي ليست هناك"مشكلة"في الحقيقة، حين يواجَه الأمر بمفهوم هذا التصور وإيحائه:

إن قدر الله في الناس هو الذي ينشئ ويخلق كل ما ينشأ وما يُخلق من الأحداث والأشياء والأحياء ... وهو الذي يصّرف حياة الناس ويكيّفها، شأنهم في هذا شأن هذا الوجود كله ... كل شيء فيه مخلوق بقدر، وكل حركة تتم فيه بقدر ... ولكن قدر الله في الناس يتحقق من خلال إرادة الناس وعملهم في ذات أنفسهم، وما يحدثون فيها من تغييرات، {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد: 11] .

وكون مرد الأمر كله إلى المشيئة الإلهية المطلقة، لا يبطل هذا ولا يعطله، فالأمران يجيئان مجتمعين أحيانًا في النص القرآني الواحد، كما رأينا في المجموعة الثالثة من هذه النماذج.

ونحن إنما نفترض التعارض والتناقض، حين ننظر إلى القضية بتصور معين نصوغه من عند أنفسنا، عن حقيقة العلاقة بين المشيئة الكبرى، وحركة الإنسان في نطاقها، إلا أن المنهج الصحيح: هو ألا نستمد تصوراتنا في هذا الأمر من مقررات عقلية سابقة، بل أن نستمد من النصوص مقرراتنا العقلية في مثل هذه الموضوعات، وفيما تقصه علينا النصوص من شأن التقديرات الإلهية، في مجال الذي لا دليل لنا فيه، غير ما يطلعنا الله عليه منه ...

فهو قال: {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلًا} ، وهو قال: {وما يشاءون إلا أن يشاء الله} ، وهو قال: {بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره} ، وهو قال: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصعّد في السماء} [الأنعام: 125] ، وهو قال في الوقت نفسه: {وما ربك بظلام للعبيد} [فصلت: 46] .

فلا بد إذن - وفق تصور المسلم لإلهه وعدله في جزائه، وشمول مشيئته وقدره - من أن تكون حقيقة النسب بين مدلولات هذه النصوص في حساب الله، من شأنها أن تسمح للإنسان بقدر من الإيجابية في الاتجاه والعمل، يقوم عليه التكليف والجزاء، دون أن يتعارض هذا القدر مع مجال المشيئة الإلهية المطلقة، المحيطة بالناس والأشياء والأحداث.

كيف؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت