وبين ثبات السنن وطلاقة المشيئة، يقف الضمير البشري على ارض ثابتة مستقرة، يعمل فيها، وهو يعلم طبيعة الأرض، وطبيعة الطريق، وغاية السعي، وجزاء الحركة، ويتعرف إلى نواميس الكون، وسنن الحياة، وطاقات الأرض، وينتفع بها وبتجاربه الثابتة فيها منهج علمي ثابت، وفي الوقت ذاته يعيش موصول الروح بالله، معلق القلب بمشيئته لا يستكثر عليها شيئًا، ولا يستبعد عليها شيئًا، ولا ييئس أمام ضغط الواقع أبدًا، يعيش طليق التصور، غير محصور في قوالب حديدية، يضع فيها نفسه، ويتصور أن مشيئة الله سبحانه محصورة فيها! وهكذا لا يتبلد حسه، ولا يضمُر رجاؤه، ولا يعيش في إلف مكرور!
والمسلم يأخذ بالأسباب، لأنه مأمور بالأخذ بها، ويعمل وفق السنة، لأنه مأمور بمراعاتها، لا لأنه يعتقد أن الأسباب والوسائل هي المنشئة للمسببات والنتائج، فهو يرد الأمر كله إلى خالق الأسباب، ويتعلق به وحده من وراء الأسباب، بعد أداء واجبه في الحركة والسعي والعمل واتخاذ الأسباب ... طاعة لأمر الله.
وهكذا ينتفع المسلم بثبات السنن في بناء تجاربه العلمية وطرائقه العملية، في التعامل مع الكون وأسراره وطاقاته ومدخراته، فلا يفوته شيء من مزايا العلوم التجريبية والطرائق العملية، وهو في الوقت ذاته موصول القلب بالله، حي القلب بهذا الاتصال، موصول الضمير بالمشاعر الأدبية الأخلاقية، التي ترفع العمر وتباركه وتزكيه، وتسمو بالحياة الإنسانية إلى أقصى الكمال المقدر لها في الأرض، وفي حدود طاقة الإنسان.
والتوازن بين مجال المشيئة الإلهية الطليقة، ومجال المشيئة الإنسانية المحدودة ... وهي القضية المشهورة في تاريخ الجدل في العالم كله، وفي المعتقدات كلها، وفي الفلسفات والوثنيات كذلك باسم قضية"القضاء والقدر"أو الجبر والاختيار.
والإسلام يثبت للمشيئة الإلهية الطلاقة - كما أسلفنا - ويثبت لها الفاعلية التي لا فاعلية سواها، ولا معها - كما بينّا ذلك في خاصية الشمول وكما سيجئ في خاصية الإيجابية - وفي الوقت ذاته يثبت للمشيئة الإنسانية، الإيجابية - كما سنفصل ذلك في خاصية"الإيجابية"- ويجعل للإنسان الدور الأول في الأرض وخلافتها، وهو دور ضخم، يعطي الإنسان مركزًا ممتازًا في نظام الكون كله، ويمنحه مجالًا هائلًا للعمل والفاعلية والتأثير، ولكن في توازن تام مع الاعتقاد بطلاقة المشيئة الإلهية، وتفردها بالفاعلية الحقيقية، من وراء الأسباب الظاهرة، وذلك باعتبار أن النشاط الإنساني هو أحد هذه الأسباب الظاهرة، وباعتبار أن وجود الإنسان ابتداء، وإرادته وعمله، وحركته ونشاطه، داخل في نطاق المشيئة الطليقة، المحيطة بهذا الوجود وما فيه ومن فيه - على نحو ما سنفصل في خاصية"الإيجابية"-
ويقرأ الإنسان في القرآن الكريم: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير} [الحديد: 22] ، {قل: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا، وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [التوبة: 51] ، {وإن تصبهم حسنة يقولوا: هذه من عند الله، وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك، قل: كل من عند الله، فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا} [النساء: 78] ، {قل: لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} [آل عمران: 154] ، {أينما تكونوا يدرككم الموت، ولو كنتم في بروج مشيدة} [النساء: 78] .