{لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه فقال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} [الأعراف: 59] .
{وإلى عاد أخاهم هودًا، قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون؟} [الأعراف: 65] .
{وإلى ثمود أخاهم صالحًا، قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، قد جاءتكم بينة من ربكم ... } [الأعراف: 73] .
{وإلى مدين أخاهم شعيبًا، قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، قد جاءتكم بينة من ربكم ... } [الأعراف: 85] .
{وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا، فقال لأهله: امكثوا إني آنست نارًا، لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى، فلما أتاهم نودي: يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى، وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى، إنني أنا الله لا غله أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} [طه: 9 - 14] .
{وإذ قال الله: يا عيسى ابن مريم، أأنت قلت للناس: اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ قال: سبحانك! ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، إن كنت قلته فقد علمته، تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك، إنك أنت علام الغيوب، ما قلت لهم إلا ما أمرتني به، أن اعبدوا ربي وربكم، وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم، وأنت على كل شيء شهيد، إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 116 - 118] .
{وما أرسلنا من قبلك من رسول، إلا نوحي إليه: أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25] .
ولكن هذا التوحيد الذي جاء به الرسل جميعًا، حرف ودخلت فيه الأساطير في شتى المعتقدات، سواء في الديانات التي تنسب إلى السماء، أو في الوثنيات التي اختلطت فيها بقايا الديانات السماوية بالأساطير في شتى الأزمان، والتي ذكرنا طرفًا منها في فصل"تيه وركام"... وأطرافًا أخرى في بعض الفصول السابقة من هذا البحث.
ولكي ندرك حقيقة أن التوحيد خاصية من خصائص التصور الإسلامي - وقبل أن نعرض المساحة التي تشغلها حقيقة التوحيد في هذا التصور - يحسن أن نلم ببعض التصورات الأخرى فيما يختص بتصور الألوهية والعبودية ... وبخاصة بعض التصورات التي اشتملت على تصور وجودين متميزين، أو على نوع من التوحيد للإله:
الهندوكية مثلًا اعترفت بواحد هو وحده"الموجود"وهو"براهما"وجعلت من صفاته: التفرد بالكمال، والتفرد بالخير، والتفرد بالدوام، والتفرد بالأزلية ...
وجعلت ما عدا هذا الواحد الموجود"عدما"لا وجود له ... فهذه الأكوان وما فيها عدم!
ولكنها من جانب آخر جعلت"الوجود"الذي هو الخير والكمال يحل في"العدم"الذي هو الشر والنقص ... فبراهما حالٌّ في كل جزء من أجزاء هذا العالم - الذي هو عدم - فكل جزء من أجزاء هذا العالم - بما في ذلك الإنسان - مؤلف إذن من وجود وعدم، من خير وشر، من كمال ونقص، من بقاء وفناء!
ومهمة الهندوكي المؤمن إذن هي المحاولة المستمرة لتخليص الوجود والخير والكمال والبقاء الذي في كيانه، من العدم والشر والنقص والفناء،"ليصير"براهما ... ومن هنا حرصه على إفناء جسمه - الذي هو العدم - لينطلق"الوجود"الحالّ فيه، ويصبح طليقًا ... وهذه هي درجة"النرفانا"وهي تمثل الخلاص والعودة"براهما"!
ومع ذلك فقد شاب هذا التوحيد - على ما به من حلول - شائبة من"التثليث"... إذ اعتبر"براهما"صورة من صور ثلاث للإله الواحد: الإله"براهما"في صورة الخالق، والإله"فشنو"في صورة الحافظ، والإله"سيفا"في صورة الهادم.