الصفحة 106 من 114

ثم جعلوا"الكارما"هي"القدر"الغالب على الآلهة وعلى الأفلاك، وهو الذي يكرر على العالم دورات الخلق والفناء ... فلم تسلم عقيدة التوحيد حتى في صورتها تلك المليئة بالإحالات!

واشتملت ديانة أخناتون على لون من التوحيد، إذ وصف أخناتون إلهه"أتون"بأوصاف الوحدانية، والفاعلية، ومنها خلق هذا الكون وحفظه وتدبيره، وكان هذا أعلى تصور عرفته البشرية في غير الديانات السماوية - وإن كان ينبغي ألا تغفل أثر الديانات السماوية في عقيدة أخناتون هذه - ولكن مع ذلك شابتها شائبة من عقائد الوثنية، إذ جعل هذه الشمس المادية رمزًا لإلهه، وجعل اسمها مرادفًا لاسمه، فاختلطت عقيدة التوحيد بهذا الأثر الوثني الغريب!

وفرق أرسطو بين إله"واجب الوجود"وكون"ممكن الوجود"... غير أنه جعل إلهه هذا الواحد، سلبيًا تجاه الكون، فهو أولًا لم يخلق الكون، ولا علاقة له بتدبيره، إنما هذا الكون يتحرك بشوق كامن فيه إلى واجب الوجود، تقل من حالة"مكان الوجود"إلى حالة"الوجود".

وكان التوحيد ديانة إبراهيم عليه السلام، ووصى به إسماعيل وإسحاق، وكان يعقوب ابن اسحاق يدين بالتوحيد، ووصى به بنيه كذلك في ساعة موته، كما يحكي ذلك القرآن الكريم؛ {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه؟ ولقد اصطفيناه في الدنيا، وإنه في الآخرة لمن الصالحين، إذ قال له ربه: أسلم، قال: أسلمت لرب العالمين، ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوبُ: يا بني إن الله اصطفى لكم الدين، فلا تموتن إلا وأنت مسلمون، أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت، إذ قال لبنيه: ما تعبدون من بعدي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق - إلهًا واحدًا - ونحن له مسلمون} [البقرة: 130 - 133] .

فلما جاء موسى رسولًا لبني إسرائيل جاء بالتوحيد - وما تزال اليهودية تعتبر ديانة توحيد - إلا أن بني إسرائيل من قبل موسى ومن بعده، شوهوا هذا التوحيد، وحرفوا الكلم عن مواضعه، فجعلوا إلهًا خاصًا لبني إسرائيل وحدوه، ولكنهم جعلوه إلهًا قوميًا ينصرهم على أصحاب الآلهة الآخرين! وذلك فوق ما افتروا على"إله إسرائيل"ذاته فقالوا نحن أبناء الله وأحباؤه، وهو لا يعذبنا بذنوبنا، وقالوا:"عزير ابن الله"، وقالوا عنه: إن له أبناء تزاوجوا مع بنات الناس فولدوا العمالقة، الذين خاف الإله منهم أن يصبحوا آلهة مثله، فنزل وبلبل ألسنتهم! وقالوا: إن يعقوب صارع هذا الإله مرة، وضربه فخلع حقوه! وقالوا عنه: إنه يتمشى في ظلال الحديقة ويتبرد بهوائها، وقالوا عنه: إنه يحب ريح الشواء ... إلى آخر هذه الأساطير التي شوهت وطمست عقيدة التوحيد.

وجاء عيسى عليه السلام بالتوحيد ... ثم انتهت عقائد النصارى إلى التثليث، الذي يحاولون أن يصفوه بالتوحيد، بين الأقاليم الثلاثة: الأب، والابن، والروح القدس، مع الاختلاف على طبيعة الأقنوم الابن ومشيئته ... مما يجعل"التوحيد"في هذه الديانة، كما تفرقت بها الطوائف، دعوى لا حقيقة لها من واقع التصورات المتنوعة للكنائس المتعددة [65] ...

وهكذا نستطيع أن نقول باطمئنان: إن التصور الإسلامي هو التصور الوحيد الذي بقي قائمًا على أساس التوحيد الكامل الخالص، وإن التوحيد خاصية من خصائص هذا التصور، تفرده وتميزه من بين سائر المعتقدات السائدة في الأرض كلها على العموم.

والآن - بعد هذا البيان - نستطيع أن نبين - في اختصار - طبيعة وحدود هذا التوحيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت