تقرر العقيدة الإسلامية - كما تقدم - أن هناك ألوهية وعبودية، ألوهية يتفرد بها الله سبحانه ويشترك فيها كل حي وكل شيء، كما تقرر تفرد الله سبحانه بخصائص الألوهية، وتجرد العبيد من هذه الخصائص ... ومن ثم ترتب على هذا التصور كل مقتضياته وكل نتائجه في الحياة الإنسانية ...
فالله سبحانه واحد في ذاته، متفرد في كل خصائصه ...
{قل: هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد} [سورة الإخلاص] ، {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] ، {فلا تضربوا لله الأمثال} [النحل: 74] ، {والله سبحانه خالق كل شيء: ذلك الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء، فاعبدوه، وهو على كل شيء وكيل} [الأنعام: 102] ، {وخلق كل شيء فقدره تقديرًا} [الفرقان: 2] ، {قل: أرأيتم ما تدعون من دون الله، أروني ما خلقوا من الأرض؟ أم لهم شرك في السماوات! أئتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين} [الأحقاف: 4] .
والله سبحانه هو مالك كل شيء: {قل: لمن ما في السماوات والأرض؟ قل لله} [الأنعام: 12] ، {ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما} [المائدة: 17] ، {الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك} [الفرقان: 2] .
والله سبحانه هو الرازق لكل من خلق وكل ما خلق: {يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم، هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض؟ لا إله إلا هو، فأنى تؤفكون؟} [فاطر: 3] ، {وكأي من دابة لا تحمل رزقها، الله يرزقها وإياكم} [العنكبوت: 60] ، {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها} [هود: 6] .
والله سبحانه هو مدبر كل شيء، ومصر كل شيء، وحافظ كل شيء: {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده} [فاطر: 41] ، {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} [الروم: 25] ، {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} [يس: 12] .
والله سبحانه هو صاحب السلطان المسيطر القاهر على كل شيء: {وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون، ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق، ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين} [الأنعام: 61 - 62] ، {قل: هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض} [الأنعام: 65] ، قل: أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم، من إله غير الله يأتيكم به"؟ (الأنعام: 46]."
وكل خلائق الله سبحانه تقر له بالعبودية والطاعة والقنوت: { ... ثم استوى إلى السماء وهي دخان، فقال لها وللأرض: ائتيا طوعًا أو كرهًا، قالتا أتينا طائعين} [فصلت: 11] ، {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره، ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون، وله من في السماوات والأرض، كل له قانتون} [الروم: 25 - 26] ، {ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون} [النحل: 49] ، {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} [الإسراء: 44] .
ونكتفي بهذا القدر من مجالات التوحيد في التصور الإسلامي، حيث يتبين منها إفراد الله سبحانه بالألوهية، وتقرير عبودية كل من عدا الله وكل ما عداه لألوهيته، وقيام العلاقات بين الخلق والخالق على أساس العبودية وحدها، لا على أساس نسب ولا صهر، ولا مشاركة ولا مشابهة، في ذات ولا في صفة ولا في اختصاص ... وهذا القدر يكفي في بيان أن التوحيد خاصية من خصائص التصور الإسلامي، وهي الحقيقة التي نريد تقريرها في هذا القسم الأول من البحث، أما تفصيل هذه الحقيقة فموضعه في القسم الثاني عند الكلام عن"حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية".