الصفحة 108 من 114

غير أن الحديث عن خاصية التوحيد لا يتم حتى نشير كذلك - بمثل هذا الاختصار - إلى مقتضيات هذا التوحيد المطلق الكامل الشامل الحاسم الدقيق، في الحياة الإنسانية ... وهذه المقتضيات تمثل كذلك كيف أن التوحيد خاصية من خصائص التصور الإسلامي ...

إن من مقتضيات توحيد الألوهية - في التصور الإسلامي - إفراد الله سبحانه بخصائص الألوهية في تصريف حياة البشر، كإفراده سبحانه بخصائص الألوهية في اعتقادهم وتصورهم، وفي ضمائرهم وشعائرهم على السواء.

وكما أن المسلم يعتقد أن لا إله إلا الله، وأن لا معبود إلا الله، وأن لا خالق إلا الله، وأن لا رازق إلا الله، وأن لا نافع أو ضار إلا الله، وأن لا متصرف في شأنه - وفي شأن الكون كله - إلا الله ... فيتوجه لله وحده بالشعائر التعبدية، ويتوجه لله وحده بالطلب والرجاء، ويتوجه لله وحده بالخشية والتقوى ...

كذلك يعتقد المسلم أن لا حاكم إلا الله، وأن لا مشرع إلا الله، وأن لا منظم لحياة البشر وعلاقاتهم وارتباطاتهم بالكون وبالأحياء وببني الإنسان من جنسه إلا الله ... فيتلقى من الله وحده التوجيه والتشريع، ومنهج الحياة، ونظام المعيشة، وقواعد الارتباطات، وميزان القيم والاعتبارات ... سواء ...

فالتوجه إلى الله وحده بالشعائر التعبدية، والطلب والرجاء والخشية والتقوى، كالتلقي من الله وحده في التشريع والتوجيه، ومنهج الحياة ونظام المعيشة، وقواعد الارتباطات وميزان القيم والاعتبارات ... كلاهما من مقتضيات التوحيد - كما هو في التصور الإسلامي - وكلاهما يصور المساحة التي تشملها حقيقة التوحيد في ضمير المسلم وفي حياته على السواء ...

والقرآن الكريم يربط بين عقيدة التوحيد وبين مقتضياتها في الضمير وفي الحياة ربطًا وثيقًا، ويرتب على وحدانية الألوهية والربوبية ووحدانية الفاعلية والسلطان في هذا الوجود، كل ما يكلفه المسلم، سواء ما يكلفه من شعور في الضمير، أو ما يكلفه من شعائر في العبادة، أو ما يكلفه من التزام في الشريعة ... وفي السياق الواحد يرد ذكر التوحيد، وآثار الفاعلية والسلطان، في الكون وفي الحياة الدنيا والآخرة، ويكرر معها الأمر باتباع شريعة الله، باعتباره مقتضى توحيد الألوهية والسلطان ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت