الصفحة 109 من 114

{وإلهكم إله واحد، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ... إن في خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة، وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ... ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حبًا لله ... ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعًا، وأن الله شديد العذاب، إذ تبرأ الذين أتُّبعوا من الذين أتّبعوا ورأوا العذاب، وتقطعت بهم الأسباب، وقال الذين اتّبعوا: لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا! كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم، وما هم بخارجين من النار ... يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالًا طيبًا، ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين، إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون، وإذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون؟ ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، صم بكم عمي فهم لا يعقلون ... يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون، إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم} [البقرة: 163 - 172] .

وبالتأمل في هذا السياق القرآني نجد أنه بدأ بتقرير وحدانية الله، ووحدة الألوهية، ثم أتبع هذا التقرير بعرض المشاهد الكونية التي تتجلى فيها القدرة الإلهية، ثم أعقبها بعرض مشاهد القيامة التي يتدلى فيها السلطان الذي لا سلطان غيره ... فلما انتهى من ذلك كله أمر الناس باتباع شريعة الله في التحليل والتحريم، ونهاهم عن اتباع الشيطان، وندد بمن يتلقون في هذا الشأن عن عرف الجاهلية، حيث لا يجوز التلقي فيه إلا من الله، ثم أمر الذين آمنوا أن يأكلوا من الطيبات التي شرع الله حلها، إن كانوا يعبدون الله وحده - وبين لهم ما شرع لهم حرمته، لأنه هو وحده الذي يحلل ويحرم كما أنه هو وحده الذي يعبد، وهو وحده الذي يصرف هذا الكون، وهو وحده صاحب السلطان يوم القيامة، وتوحيده سبحانه لا يتم حتى يتجلى في الشعائر وفي الشرائع وفي الدينونة سواء.

ومثل هذا السياق القرآني المتماسك المتشابك يرد كثيرًا في القرآن للدلالة على معنى"التوحيد"ومجاله، ولعله يحسن أن نذكر هنا مثالًا آخر يزيد الأمر جلاء، ويبين كذلك طريقة القرآن في عرض"خصائص التصور الإسلامي ومقوماته"عرضًا شاملًا متكاملًا ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت