الصفحة 110 من 114

{وكذلك أوحينا إليك قرآنًا عربيًا لتنذر أم القرى ومن حولها، وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه، فريق في الجنة وفريق في السعير، ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة، ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون مالهم من ولي ولا نصير ... أم اتخذوا من دونه أولياء؟ فالله هو الولي، وهو يحي الموتى، وهو على كل شيء قدير ... وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله، ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب ... فاطر السماوات والأرض، جعل لكم من أنفسكم أزواجًا ومن الأنعام أزواجًا يذرؤكم فيه، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، له مقاليد السماوات والأرض، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، إنه بكل شيء عليم ... شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى: أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، كبر على المشركين ما تدعوهم إليه، الله يجتبي إليه من يشاء، ويهدي إليه من ينيب وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم - بغيا بينهم - ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم، وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب ... فلذلك فادع، واستقم كما أمرت، ولا تتبع أهواءهم، وقل: آمنت بما أنزل الله من كتاب، وأمرت لأعدل بينكم، الله ربنا وربكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لا حجة بيننا وبينكم، الله يجمع بيننا، وإليه المصير} [الشورى: 7 - 15] .

وبالتأمل في هذا السياق نجد أنه بدأ بتقرير الوحي والرسالة، لينذر الرسول بيوم الجمع والدينونة في الآخرة، واختلاف مصائر المؤمنين والظالمين في الآخرة وفاقًا لاختلاف طرائقهم في الدنيا، وإعلان وحدانية السلطان في يوم الحساب، ثم اتبع ذلك ببيان وحدة الولاية ووحدة القدرة المتجلية في إحياء الموتى، ثم أعقب هذا بتقرير وحدة الحاكمية وقصرها على الله سبحانه كما أن عليه وحده يكون التوكل، وإليه وحده تكون الإنابة، ثم عرض مظاهر قدرته في فطر السماوات والأرض وخلق الناس أزواجًا والأنعام، مع تفرده سبحانه، {ليس كمثله شيء} ... وتفرد سلطانه {له مقاليد السماوات والأرض} ، وتفرده بالرزق: {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} ... ثم عقب على هذا التفرد في الذات والصفات والفاعلية والسلطان بأنه هو وحده الشارع لا منذ هذه الرسالة ولكن منذ فجر الرسالة: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى} ، ونص على أن الشرع هو الدين والاستقامة عليه ونهاه عن اتباع أهواء الناس، وقرن إقراره بالإيمان إلى أمره بالعدل - وهو الحكم بين الناس وفق ما شرع الله - وأنهى السياق بالمفاصلة الكاملة بين المؤمنين الحاكمين بما شرع الله من الدين وغيرهم، والرجعة في النهاية إلى الله الذي إليه المصير ...

ونحسب أن في هذين النموذجين الكفاية لبيان ذلك الارتباط الكامل في التصور الإسلامي بين توحيد الألوهية والحاكمية، ولبيان معنى التوحيد ومجاله في الحياة الإنسانية، ولتقرير أن"التوحيد"بهذا المعنى وفي هذا المجال خاصية من خصائص التصور الإسلامي.

ويبقى بعد هذا البيان لمعنى التوحيد في التصور الإسلامي ولمجاله في الحياة الإنسانية أن نقول: إن هذا التصور ينشئ في العقل والقلب آثارًا متفردة، لا ينشئها تصور آخر، كما أنه ينشئ في الحياة الإنسانية مثل هذه الآثار كذلك.

إنه ينشئ في القلب والعقل حالة من"الانضباط"لا تتأرجح معها الصور، ولا تهتز معها القيم، ولا يتميع فيها التصور ولا السلوك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت