وأوّل من فتح هذا الباب - باب الغلو في إطالة اللسان بالمخالفين - الخوارج، فأتى قادتُهُم عامَّتَهم من باب التكفير لتستحكم النفرة من غيرهم، وتقوى رابطة عامَّتِهم بهم، ثمَّ سرى هذا الدّاء إلى غيرهم، وأصبحت غُلاة كل فرقة تكفّر غيرها وتفسّقه أو تبدّعه أو تضلله لذلك المعنى نفسِه، حتى قيّض الله من الأئمة من قام في وجه أولئك الغلاة وزيَّفَ رأيهم. انتهى.
فوضعوا للحكم على الأعيان قواعد وضوابط دقيقة، من سلكها، وسار وفقها عُصِمَ من الوقوع في الغلط، ومخالفة الشرع وإتباع الهوى.
ولمّا ابتعد الكثير عن هذه القواعد والضوابط - إمَّا لجهل بها، أو لسوء قصدهم في مخالفتها، كما قال الفضيل بن عياض: ما من أحد أحب الرياسة إلاّ حسد وبغى، وتتبع عيوب الناس، وكره أن يذكر أحد بخير. انتهى - فتح باب التجريح والتصنيف على مصرعيه فحصل من وراء ذلك الفرقة والشتات، حتى أصبحنا في زمان أصعب من الزمان الذي قال [1] فيه الإمام سفيان الثوري ناصحا عبَّاد بن عبّاد الخوَّاص:"فإنك في زمان كان أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم يتعوذون أن يدركوه، ولهم من العلم ما ليس لنا، ولهم من القَدم ما ليس لنا، فكيف بنا حين أدركناه على قلة علم، وقلة صبر، وقلة أعوان على الخير، وفساد من الناس، وكدر من الدنيا؟! فعليك بالأمر الأوَّل والتمسك به"انتهى.
فلنحذر من نقمة الله تعالى حيث إنتشرت في الأمّة كل أنواع الرذائل والظلم والمنكر، وأفراد من الدعاة أشغلوا الشباب بالسّباب والشّقاق، قال سبحانه وتعالى:"وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) "الأنفال.
كما علينا أن نسير وفق منهج سلفنا الصالح نسلم ونغنم ولا نشقى بإذن الله تعالى.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"... إِنَّه مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ بدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" [2] . حديث صحيح رواه أحمد وغيره.
وعلى هذا جمعت ما رأيته مبيّنا لطريقة الجرح عند علماء الفن المعتبرين حتى يعلم الغالي والجافي أنّ هذا العلم شريف له قواعد وضوابط، فسمّيته: ضوابط الجرح.
فرحم الله أخا غيورا أمينا، وجد خللا فأصلحه بالتي هي أحسن للتي هي أقوم أو وجد وهنا فنصح لي، فإنَّ المؤمنين تتكافأُ دماؤهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم، وهم يَدٌ على من سواهم.
أبو حفص سفيان عزلي
(1) -"حلية الأولياء" (6/ 376) لأبي نعيم الأصبهاني،"الجرح والتعديل" (1/ 87) لابن أبي حاتم الرازي.
(2) 1 - أخرجه أبو داود (4607) والترمذي (2676) بنحوه وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني في"ظلال الجنة" (1/ 29/54) ، وفي"الصحيحة" (937) .