الصفحة 27 من 37

و أعني بالسامعين خاصة طلبة العلم.

* يجب أن يكونوا كذلك على جانب كبير من التقوى والورع والحكمة، وأن لا ينشغلوا كثيرًا بهذه الردود والتحذيرات على حساب الفرض، لأنّ هذا يضعّف الهمّة في طلب العلم، ويفرّق الشمل، بل يجب أن يهتمّوا أوّلا بما ينفع يوم القيامة من العلم النافع المورّث للعمل الصّالح. قال [1] الخطيب البغدادي في مثل هذا:"أكثر طالبي الحديث في هذا الزمان يغلب على إرادتهم كتب الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف، والإشتغال بما وقع فيه من السهو والخطأ من روايات المجروحين والضعفاء، حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مُجْتَنَبًا، والثابت مصدوفا عنه مطرحا، وذلك كله لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلهم، ونقصان علمهم بالتمييز، وزهدهم في تعلمه، وهذا خلاف ما كان عليه الأئمة من المحدثين والأعلام من أسلافنا الصالحين. انتهى"

قسّم الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى العلم إلى أقسام"فهذا التقسيم يُرْشِد الناظر إلى ما وراءها حتّى يكون على بيّنة فيما يأتي من العلوم ويَذَرُ، فإنّ كثيرًا منها قد يستفز الناظر إستحسانها ببادئ الرأي فيقطع فيها عمره وليس وراءها ما يتّخذه معتمدًا في عمل ولا إعتقاد فيَخِيب في طلب العلم سَعْيُهُ والله الواقي".

قال [2] رحمه الله تعالى:"القسم الأول: هو الأصل والمعتمد والذي عليه مدار الطلب، وإليه تنتهي مقاصد الراسخين [كقراءة القرآن وتفسيره، ودراسة الحديث وشرحه، وعلم التوحيد والفقه وعلوم الآلة ... ] ."

القسم الثاني: وهو المعدود في مُلَح العلم لا في صُلبِه، كالبحث عن حِكَمِ العبادات فيزعم أنّها مقصود الشارع من تلك الأوضاع وجميعها على ظن وتخمين، وكإستناد إلى الأشعار في تحقيق المعاني العلمية والعملية وهذا في الحقيقة من المُلَح، لِمَا في الأشعار الرقيقة من إمالة الطباع وتحريك النفوس إلى الغرض المطلوب.

القسم الثالث: وهو الذي ليس من الصُّلَب ولا من المُلَح، وشأنه أن يعكر على أصله أو على غيره بالإبطال مما صحّ كونه من العلوم المعتبرة، أو كان منهضا إلى إبطال الحق وإحقاق الباطل على الجملة، فهذا ليس بعلم لأنّه يرجع على أصله بالإبطال، ولا هو من مُلحه، لأن الملح هي التي تستحسنها العقول وتستملحها النفوس إذ ليس يَصحَبُها منفر، ولا هي مما تعادي العلوم لأنها ذات أصل مبني عليه في الجملة بخلاف هذا القسم فإنه ليس فيه شيء من ذلك، هذا وإن مال بقوم فإستحسنوه وطلبوه فلِشُبهٍ عارضة، واشتباه بينه وبين ما قبله، فربّما عدّه الأغبياء مبنيا على أصل، فمالوا إليه من ذلك الوجه، وحقيقة أصله وَهم وتخييل لا حقيقة له مع ما ينضاف إلى ذلك من الأغراض والأهواء، كالإغراب بإستجلاب غير المعهود، والجعجعة بإدراك ما لم يدركه الراسخون. انتهى

ومن ذلك تصنيف الناس بالظن، وتتبّع عثرات المسلمين"متى صار من دين الله فرَحُ المسلم بمقارفة أخيه المسلم للآثام؟، ألا إنَّ هذا التصيّد داء خبيث متى تمكّّن من نفس أطفأ ما فيها من نور الإيمان، وصيّر القلب خرابًا يبابا يستقبل الأهواء والشهوات ويفرزها، نعوذ بالله من الخذلان" [3] .

(1) -"الكفاية في علم الرواية" (ص: 172) .

(2) - الموافقات المقدمة التاسعة منه بتصرف، وما بين معكوفتين من إضافتي أسأل الله تعالى أن تكون على صواب - وراجع لزامًا:"باب رتب الطلب والنصيحة في المذهب"من كتاب"جامع بيا ن العلم وفضله"للإمام ابن عبد البر.

(3) -"تصنيف الناس بين الظن واليقين" (ص: 32) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت