الصفحة 9 من 37

وهذا المحور يقوم على التثبت من الأخبار قبل إصدار الأحكام، قال تعالى:"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) "الحجرات.

ولا يعني التثبتُ التجسس، فإنّ الله تعالى حرّم ذلك في قوله:"وَلا تَجَسَّسُوا ... (12) "الحجرات.

ولا يعني التثبتُ تتبع العثرات، والزلات لإشاعتها، فهذا محرّم أيضا قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:"يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ لاَ تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ وَلاَ تُعَيِّرُوهُمْ وَلاَ تَطْلُبُوا عَثَرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْ عَوْرَةَ المُسْلِمِ يَطْلُبْ اللهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ يَطْلُبْ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ" [1] .

وقال تعالى:"إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ... (19) "النور.

ولا يعني أيضا التثبتُ أن يعتمد على القيل والقال، فهذا أيضا منهيّ عنه، يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ" [2]

قال [3] عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى:"لا يكون الرجل إماما من يسمع من كل أحد، ولا يكون إماما في الحديث من يحدث بكل ما سمع، ولا يكون إماما في الحديث من يتّبع شواذ الحديث، الحفظ هو الإتقان."

يكون التثبت بأحد الطريقين حسب مصدر سبب التجريح:

أ- توثيق كلام المردود عليه من كُتُبِهِ ذاتها، أو من أشرطته، لا من المصادر التي تردّ عليه أو تحكي عنه، أو فيما يُقَال عنه. والواجب أيضا حسب أصول النقد، والأمانة العلمية تسليط النقد - إن كان على النّص - من الطبعة الأخيرة لكل كتاب، لما فيها من تعديل ينسخ ما في سابقتها.

ب- وإن كان الرّد مبنيا على النقول فلا بدّ من:

1 -* - عدالة وضبط الناقل: قال [4] الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى:"ما يعرف به صحّة المحدّث العدل الذي يلزم قبول خبره على ضربين: فضرب منه يشترك في معرفته الخاصّة والعامّة وهو الصحة في بيعه وشرائه وأمانته وردّ الودائع وإقامة الفرائض وتجنب المآثم فهذا ونحوه إشترك الناس في علمه، والضرب الآخر: هو العلم بما يجب كونه عليه من الضبط والتيقظ"اهـ.

فإذا إختلّ هذا الشرط فتكون الأخبار من قبيل القيل والقال الّتي يجب على صغار طلبة العلم فضلا عن كبارهم، فضلا عن العلماء أن يرتفعوا عنها، بل ويجب دفعها في وجوه هؤلاء النقلة.

2 -*- اتصال سند النقل: قال [5]

(1) - أنظر هامش رقم: 17

(2) - أخرجه مسلم في مقدمته مرسلا ومتصلا، و الصواب أنه مرسل من رواية حفص بن عاصم.

(3) - مسلم في مقدمة"صحيحه" (1/ 11) . وقال أيضا - يعني ابن مهدي:"لا يكون الرجل إماما يقتدى به حتى يمسك عن بعض ما سمع"، رواه مسلم في"المقدمة" (1/ 11)

(4) - -"الكفاية في علم الرواية"للإمام الخطيب، ت: د. أحمد عمر هاشم، (116 - 117) دار الكتاب العربي

(5) - رواه الخطيب في"الكفاية" (ص: 36)

و من الغريب في هذا العصر أن تُقبل نُقلات آحاد من الناس ممّن لا يعرفون حتّى عينا في الدعاة والمشايخ بل وفي المجاهدين من قِبل من يُنصّب مجرّحا ومعدّلا، روى مسلم في مقدّمة صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنّه قال: إنّ الشيطان ليتمثّل في صورة الرجل فيأتي القوم فيحدّثهم بالحديث من الكذب فيتفرّقون، فيقول الرجل منهم سمعت رجلا أعرف وجهه ولا أدري ما إسمه يحدّث.

فكيف بالأخبار الّذي يحسنها - أي الشيطان - ويحبّها ويحرص عليها كما أخبر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، روى مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول"إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب. ولكن في التحريش بينهم".

و روى عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال:"إن عرش إبليس على البحر. فيبعث سراياه فيفتنون الناس. فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت