الصفحة 11 من 37

تحديد مأخذ الخطأ والمخالفة:

إحكام الإدراك لمأخذ المخالفة ومدْرَكها، أساس في ترتيب النصح والنقد [1] . وفيه:

1 -لا بدّ أن يُعْلَم أنّ كل إنسان يصيب ويخطئ، ولهذا قال الأئمة: لا يسلم من الغلط والخطأ الكبير أحد من الأئمة مع حفظهم.

قال [2] ابن معين رحمه الله تعالى:"لست أعجب ممن يحدّث فيخطئ، وإنّما أعجب ممن يحدث فيصيب."

وقال ابن المبارك رحمه الله تعالى:"ومن يسْلَمْ من الوهم؟!".

2 -أن ننظر في نوعية الخطأ، فقد يكون في المسائل الخلافية المبنية على رجحان الأدلة، فليس حينئذ أحدٌ حجة على الآخر، بل الحجة عليهم جميعًا الدليل، ومنه لا بدّ أن نفقه فقه الخلاف، حتى نسلم من الظلم" [3] ."

فالسلف تنازعوا في كثير من المسائل، ومع ذلك لم يقدح بعضهم في بعض، لعلمهم أنّ الخطأ في الإجتهاد عذر يمنع من القدح.

قال [4] شيخ الإسلام: وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر، ولا بفسق، ولا معصية، كما أنكر شريح قراءة من يقرأ: بل عجبتُ-بضم التاء-و يسخرون.

وقال: إنّ الله لا يعجب، فبلغ ذلك إبراهيم النخعي فقال: إنّما شريح شاعر يعجبه علمه، وكان عبد الله أعلم منه، وكان يقرأ: بل عجبت.

وكما نازعت عائشة وغيرها من الصحابة في رؤية محمد صلى الله عليه وسلم ربّه، وقالت: من زعم أن محمدا رأى ربّه فقد أعظم الفرية، ومع هذا لا نقول لإبن عباس ونحوه من المتنازعين لها: إنه مفتري على الله. و كما نازعت في سماع الميت كلام الحي، وفي تعذيب الميت ببكاء أهله، وغير ذلك. وقد آل الشر بين السلف إلى الإقتتال مع إتفاق أهل السنة على أن الطائفتين جميعا مؤمنتين، وأن الإقتتال لا يمنع العدالة الثابتة لهم، لأن المقاتل وإن كان باغيا فهو متأول، والتأويل يمنع الفسوق. انتهى

مسألة: هل كلّ خلاف مذموم؟

قد يظنّ من لا يعرف أنّ كلّ خلاف فهو مذموم مستدلاّ بما رواه أبو داود في سننه عن معاوية بن أبي سفيان قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملّة، وإنّ هذه الأمّة ستفترق إلى ثلاث وسبعين، فثنتان وسبعين في النّار وواحدة في الجنّة، وهي الجماعة". [5]

قال [6] الإمام الشاطبي: حقيقة هذا الافتراق: وهو يحتمل أن يكون افترقا على ما يعطيه مقتضى اللفظ، ويحتمل أن يكون مع زيادة قيد لا يقتضيه اللفظ بإطلاقه ولكن يحتمله، كما كان لفظ الرقبة بمطلقها لا يشعر بكونها مؤمنة أو غير مؤمنة، لكن اللفظ يقبله فلا يصلح أن يراد مطلق الافتراق، بحيث يطلق صور لفظ الاختلاف على معنى واحد، لأنّه يلزم أن يكون المختلفون في مسائل الفروع داخلين تحت إطلاق اللفظ، وذلك باطل بالإجماع، فإنّ الخلاف من زمان الصحابة إلى الآن واقع في المسائل الاجتهادية، وأوّل ما وقع الخلاف في زمان الخلفاء الرّاشدين المهديين، ثم في سائر الصحابة، ثم في التابعين، ولم يعب أحد ذلك منهم. انتهى

فمن خلال كلمة الشاطبي يتّضح أنّ الخلاف منه ما هو مذموم، ومنه ما ليس بمذموم، وهذا ما صرّح به الإمام الشافعي، حيث قال [7] : قال لي قائل: فإنّي أجد أهل العلم قديما وحديثا مختلفين في بعض أمورهم، فهل يسعهم ذلك؟.

قال: فقلت له: الاختلاف من وجهين: أحدهما محرّم ولا أقول ذلك في الآخر. انتهى

(1) -"الرد على المخالف" (ص: 56)

(2) -"شرح العلل"للحافظ ابن رجب الحنبلي، ت: د. نور الدين عيتر (1/ 159) .

(3) - لشيخ الإسلام كتاب هام: رفع الملام عن أئمة الأعلام.

(4) - مجموع الفتاوى 3/ 229 - 230

(5) - الحديث صحيح، رواه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه واللفظ له.

(6) - الاعتصام (ص: 409)

(7) - الرّسالة (ص: 506)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت