ضوابط الجرح
للشيخ
أبي حفص سفيان عزلي
حفظه الله
قال الله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" [سورة المائدة الآية: 8]
قال الله تعالى من سورة الحجرات:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ"
بسم الله الرحمن الرحيم
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله
أمّا بعد:
منذ سنوات ظهر منهج غريب نجمت منه فتنة كبيرة في حقل الدعوة إلى الله: تجريح، وتصنيف، وتنابز بالألقاب حتى أصبح العالِم أو الداعية يُجرّح بأدنى شبهة أو بالزلّة الواحدة، فانقسم الشباب إلى جماعات: جماعة تدافع عن فلان، والأخرى تؤيّد علان - أطلق عليها: حزبية بثوبها الجديد -"كلّ منهم يزعم أنّه على الحق، وأنه أحق بالحق، وتغيب في شحناء هؤلاء وبغضاء أولئك كلمة إنصاف لو قيلت من أوّل الأمر، وجرت في رونقه، وسيقت في حدب وشفقة، لما ألبّ الأخ على أخيه، والصديق على صديقه، وأحدث أخاديد عريضة عميقة بين علماء المنهج الواحد، وتراموا من فوق حوافّها بسهام عداوة مستحدثة، يستطيبها الشيطان، نسجتها أيد صناع معرفة من غيظ، أذهب من بشرتها نعومة الخير، وأفسد حسّها حتّى تبلّدت."
هكذا تعود صراعات القرون السابقة جذعة، لا تجد إلاّ من يؤججها، وإلا من يثيرها، وإلا من يجري عليها حكم رهان السباق في حلبات الخيل" [1] "
قال [2] العلامة جمال الدّين القاسمي"ومن المعروف في سنن الإجتماع أنّ كلّ طائفة قَوِيَ شأنُها، وكثُرَ سوادُها، لا بدَّ أن يوجد فيها الأصيل والدّخيل، والمعتدل والمتطرف، والغالي والمتسامح، وقد وُجِدَ بالإستقراء أنّ صوت الغالي أقوى صدًى، وأعظم استجابة، لأنّ التوسط منزلة الإعتدال، ومن يحرص عليه قليل في كلّ عصر ومصر، وأمّا الغلو فمشرب الأكثر، ورغيبة السّواد الأعظم، وعليه درجت طوائف الفرق والنِّحَل، فحاولت الإستئثار بالذكرى، والتفرّد بالدعوى، ولم تجد سبيلا لاستتباع الناس لها إلاّ بالغلو بنفسها، وذلك بالحط من غيرها، والإيقاع بسواها، حسب ما تسْنَحُ لها الفُرصُ، وتساعدها الأقدار إن كان بالسنان أو اللسان."
(1) من كتاب الشيخ أبي ملك إبراهيم شقرة، سيد قطب بين الغالين فيه والجافين عليه، ص:45
(2) -"الجرح والتعديل" (ص: 4 - 5)