قال العلاّمة المعلّمي في مقدّمة تحقيقه لكتاب الجرح والتعديل لإبن أبي حاتم: ليس نقد الرواة بالأمر الهيّن ... يكون مع ذلك متيقظا مرهف الفهم، دقيق الفطنة، مالكا لنفسه، لا يستميله الهوى، ولا يستفزّه الغضب، ولا يستخفّه بادر الظن حتّى يستوفي النظر ويبلغ المقر، ثمّ يحسن التطبيق في حكمه، فلا يجاوز ولا يقصر، وهذه المرتبة بعيدة المرام، عزيزة المنال، لم يبلغها إلاّ الأفذاذ، وقد كان من أكابر المحدثين وأجلّتهم من يتكلم في الرواة فلا يعوّل عليه ولا يُلتفت إليه [1] ، قال الإمام علي بن المديني وهو من أئمة هذا الشأن: أبونعيم وعفان، صدوقان لا أقبل كلامهما في الرجال، هؤلاء لا يدعون أحدا إلا وقعوا فيه. انتهى
فالكلام في الغير تجريحا خاصّة ليس بالأمر الهيّن لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:"الرّبا إثنان وسبعون بابا، أدناهما مثل إتيان الرجل أمّه، وإن أربى الرّبا إستطالة الرجل في عرض أخيه. [2] "
قال [3] الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى:"أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام".
و ذلك يرجع للآفات الكثيرة الّتي قد تدخل على التجريح
قال العراقي في ألفيته:
واحذر من غرض، فالجرح أيُّ خطر.
قال [4] العلامة أبو زكريا محمد الأنصاري الأزهري: واحذر، أيّها المتصدّي لذلك من غرض قبيح يحملك على التحامل والإفتراء، فذلك شرّ الأمور التي تدخل على المتصدّي لذلك.
فالجرح والتعديل كلّ منهما خطر، لأن من جرّح أو عدّل بغير تثبت كان كالمثبت حكما ليس بثابت. انتهى
فالكلام في الدعاة والمشايخ والمجاهدين"يحتاج إلى ورع تام، وبراءة من الهوى والميل" [5]
-فقد يكون الجرح بسبب الهوى والغرض والتحامل والإنتقام. فكم أثار مثل هذه الأسباب الغير الشرعية من تباغض وشحناء ونكد ومكابدة؛ حتى قال [6] إبن نصر الدمشقي: الناقد إذا بحث عن سبب الكلام في مثل ذلك-وكان قد أشار إلى كلام أبي نعيم وإبن منده في بعضهما- وإنتقد، رآه إمّا لعداوة أو لمذهب أو لحسد، وقلّّّّّّّّّ أن يسلم عصر بعد تلك القرون الثلاثة من المهالك، ومن نظر في التاريخ الإسلامي فضلا عن غيره حقق ذلك، وما وقع منه الأغلب كان سببه المذهب. انتهى
-وقد يكون لمخالفة الرأي"فإنّها أوجبت تكفير وتضليل الناس بعضهم لبعض أو تبديعهم، وأوجبت عصبية إعتقدوها دينا يتديّنون به، ويتقرّبون به إلى الله، ونشأ من ذلك الطعن بالتكفير أو التبديع" [7] .
-وقد يكون لخلل واقع بسبب عدم الورع، والأخذ بالتوهّم والقرائن التي قد تختلف، ومن فعل ذلك فقد دخل تحت قوله صلى الله عليه وسلم:"إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ" [8] .
(1) - ومن أمثال هؤلاء الأزدي
(2) - رواه الطبراني في الأوسط، وهو في الصحيحة، رقم: 1871
(3) -"الاقتراح في بيان الاصطلاح"للإمام ابن دقيق العيد (ص: 61) - دار الكتب العلمية - لبنان - 1986م.
(4) - فتح الباقي بشرح ألفية العراقي ص:660
(5) -"الموقظة في علم مصطلح الحديث"للحافظ الذهبي، ت: أبو غدة رحمه الله، ص: 82.
وتأمّل نفسية الإمام أحمد من خلال هذه القصّة؛ قال عبدالله بن محمد الوراق: كنت في مجلس أحمد بن حنبل فقال: من أين أقبلتم. قلنا: من مجلس إبن كريب. فقال: أكتبوا عنه، فإنّه شيخ صالح. فقلنا: إنه يطعن عليك. قال: فأيّ شيء حيلتي، شيخ صالح قد بُلي بي.
(6) - العقود الدراري 1/ 52
(7) -"الاقتراح في بيان الاصطلاح" (ص: 58)
(8) - متفق عليه، أخرجه البخاري (5144، 6064، 6066) ومسلم (2563) وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.