قال [1] الإمام النووي رحمه الله تعالى - محذّرا:"على الجارح تقوى الله تعالى في ذلك والتثبيت فيه والحذر من التساهل بجرح سليم من الجرح أو بنقص من لم يظهر نقصه فإنّ مفسدة الجرح عظيمة. انتهى"
"وضرره عظيم فيما إذا كان الجارح معروفا بالعلم، وكان قليل التقوى، فإنّ علمه يقتضي أن يجعل أهلا لسماع قوله وجرحه، فيقع الخلل بسبب قلة ورعه، وأخذه بالوهم" [2] .
وممّا يجب أن يُعْلَمَ أنّ"الحكم بالتكفير والتفسيق ليس إلينا بل هو إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عيه وسلم فهو من الأحكام الشرعية التي مردّها إلى الكتاب والسنة فيجب التثبت فيه غاية التثبّت، فلا يُكفَّر ولا يُفسَّق إلاّ من دل الكتاب والسنة على كفره أو فسقه والأصل في المسلم الظاهر العدالة بقاءُ إسلامه، وبقاء عدالته حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التساهل في تكفيره أو تفسيقه لأنّ في ذلك محذورين عظيمين:"
-أحدهما: إفتراء الكذب على الله تعالى في الحكم، وعلى المحكوم عليه في الوصف الذي نبزه به.
-الثاني: الوقوع فيما نبزه به أخاه إن كان سالما منه ففي"صحيح مسلم"عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا". وفي رواية:"إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلا رَجَعَتْ عَلَيْهِ" [3] . وفيه من حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:"... وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ: عَدُوَّ اللهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلاّ حَارَ عَلَيْهِ" [4] .
وعلى هذا فيجب قبل الحكم على المسلم بكفر أو فسق أن ينظر في أمرين:
-أحدهما: دلالة الكتاب والسنة على أنّ هذا القول أو الفعل موجب للكفر أو الفسق.
-الثاني: إنطباق هذا الحكم على القائل المعيّن أو الفاعل المعيّن، بحيث تتم شروط التكفير أو التفسيق في حقه، وتنتفي الموانع.
ومن أهم الشروط أن يكون عالما بمخالفته التي أوجبت أن يكون كافرًا أو فاسقًا، قال تعالى:"وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (115) "التوبة.
ومن الموانع أن يقع ما يوجب الكفر أو الفسق بغير إرادة منه ولذلك صور منها: أن ينغلق عليه فكره فلا يدري ما يقول لشدة الفرح أو الحزن أو الخوف أو نحو ذلك. ودليله ما ثبت في"صحيح مسلم"عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ" [5] .
(1) - شرح مقدمة صحيح مسلم"1/ 1/124."
(2) -"الاقتراح في بيان الاصطلاح (ص: 61) "
(3) - الحديث أخرجه البخاري (6104) بنحوه ومسلم (60) وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه، واللفظ لمسلم
(4) - أخرجه مسلم (61) من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه
(5) - أخرجه بهذا اللفظ مسلم (2747) ، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.