الصفحة 33 من 37

فما يجب أن يُعرف أنّ علماء الحديث سلكوا منهج التجريح والتعديل حراسة للدين، لا حبًّا في تصنيف المسلمين، قال [1] العلامة ابن الأثير رحمه الله تعالى:"حمل أصحاب الحديث على الكلام في الرجال، وتعديل من عدلوا، وجرح من جرّحوا، الإحتياط في أمور الدّين، وحراسة قانونه، وتمييز مواقع الغلط والخطأ في هذا الأصل الأعظم الذي عليه مبنى الإسلام وأساس الشريعة، ولا يُظَنّ بهم أنهم أرادوا الطعن في الناس والغيبة، والوقيعة فيهم، ولكنهم بيّنوا ضعف من ضعّفوه لكي يُعْرَف فتُجَنَّب الرواية عنه، والأخذ بحديثه تورّعا وحسبة، وتثبّتا في أمر الدين". انتهى

فجعلوا لهذا العلم ضوابط وقواعد متينة، واضحة حتى لا يقول من شاء في غيره ما شاء. وما مضى من القواعد يُعلم صعوبة تجريح إنسان، ولكن لمَّا غفل الكثير عن الضوابط متشبثا بأن الجرح من هدي السلف الصالح ظنًّا منه أن هذا العلم ليس له أسس وركائز يستند إليها، حتى تكلم في أعراض المسلمين كل من خوَّلت له نفسه ذلك لأدنى شبهة.

قال [2] الإمام ابن بطة رحمه الله تعالى:"اعلموا- يا إخواني- وفقنا الله وإياكم للسداد والائتلاف، وعصمنا وإيّاكم من الشتات والاختلاف أن الله عز وجل قد أعلمنا إختلاف الأمم الماضين قبلنا وأنهم تفرقوا واختلفوا، فتفرقت بهم الطرق حتى صار لهم الإختلاف إلى الإفتراء على الله عزّ وجل والكذب عليه، والتحريف لكتابه والتعطيل لأحكامه والتعدي على حدوده."

وأعلمنا - تعالى- أنّ السبب الذي أخرجهم إلى الفرقة بعد الألفة والاختلاف بعد الائتلاف هو شدة الحسد من بعضهم البعض، وردّهم البيان الواضح بعد صحته وكل ذلك وجميعه قد قصّه الله عزّ وجل علينا وأوعز فيه إلينا وحذّرنا من مواقعته، وخوّفنا من ملابسته، ولقد رأينا ذلك في كثير من أهل عصرنا وطوائف ممّن يدّعي أنه من أهل ملتنا"اهـ"

أقول: فماذا لو رأى زماننا، إنا لله وإنا إليه راجعون.

قال بكر أبو زيد حفظه الله تعالى في رسالته تصنيف الناس:"إنّ تصنيف العالم الداعية وهو من أهل السنة ورميه بالنقائص ناقض من نواقض الدعوة، وإسهام في تقويض الدعوة، ونكث الثقة، وصرف الناس عن الخير، وبقدر هذا الصد ينفتح السبيل للزائغين". انتهى

وقال الإمام ابن اقيّم رحمه الله تعالى في كتابه الجواب الكافي:"ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والإحتراز من أكل الحرام، والظلم، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، ومن النظر المحرم وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه حتى يري الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة وهو يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالا ينزل بالكلمة الواحدة منها أبعد ما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات ولا يبالي ما يقول". انتهى

قال [3] العلامة عبد الرزاق عفيفي: المسلم الحقيقي الذي تظهر عليه آثار الإسلام وشعائره وأماراته هو الذي يكفّّ أذى لسانه ويده عن المسلمين، فلا يصل إلى المسلمين منه إلاّ الخير والمعروف.

(1) -"جامع الأصول"للإمام ابن الأثير، ت: الشيخ عبد القادر الأرناؤوط (1/ 131) .

(2) - -"وصايا الأئمة في لزوم السنة"للإمام ابن بطة، ت: الشيخ عبد الله العبيلان، مكتبة الصحابة جدة 1991.

(3) - فتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبد الرزاق. ص:567

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت