الثانية: الجرح مبيّن السبب، ومثل له بعض الفقهاء بقول الجارح:"زان"،"سارق"،"قاذف"، ووراء ذلك درجات بحسب إحتمال الخلل وعدمه، فقوله:"فلان قاذف"، قد يحتمل الخلل من جهة أن يكون الجارح أخطأ في ظنه أن الواقع قذف، ومن جهة احتمال أن يكون المرمي مستحقا للقذف، ومن جهة احتمال أن لا يكون الجارح سمع ذلك من المجروح وإنما بلغه عنه، فقد يستند الجارح إلى خبر واحد يراه ثقة وهو عند غيره غير ثقة، وقد يستند الجارح إلى شيوع خبر قد يكون أصله كذبة فاجر، أو قرينة واهية كما في قصة الإفك. ومن جهة أن يكون إنما سمع رجلا آخر يقذف فتوهّم أنه الذي سمّاه، ومن جهة احتمال أن يكون المجروح إنما كان يحكي القذف عن غيره، أو يفرض أن قائلا قاله فلم يسمع الجارح أوَّل الكلام، أو تكون كلمة من قبيل فلتة لسان عند سورة غضب إلى غير ذلك من الإحتمالات. نعم إنها خلاف الظاهر، ولكن قد يقوى المعارض جدًّا فيغلب على الظن أن هناك خللا وإن لم يتبيّن، إذا تدبّرت هذا علمت أنّ الجرح لا يقبل إلاّ حيث يكون مبيّنا مفسرا مثبتا مشروحا بحيث لا يظهر دفعه إلا بنسبة الجارح إلى تعمّد الكذب، ويظهر أن المعدل لو وقف عليه لما عدل، فما كان هكذا فلا ريب أن العمل فيه على الجرح وإن كثر المعدلون، وأمَّا ما دون ذلك [فيتوقف في هذا الجرح] . من كتاب"التنكيل"بتصرف
-وليس المراد إقامة البيّنة على جرحه، بل المعنى أنّه يستند في جرحه لما يستند إليه في الشاهد، وهو المشاهدة ونحوها، وقد مضى تفصيل ذلك؛ قال [1] محمد بن نصر المروزي: كلّ رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد حتّى يبيّن ذلك بأمر لا يحتمل أن يكون غير جرحا.
* فإذا ثبت الجرح، فلا بدّ أن يكون الطالب على جانب كبير من الحكمة، فقد يكون للمجروح أتباع، فليس في كل مقام يفْتَح مقال تجريح فلان، فإن هذا يؤدّي إلى مفاسد كبيرة. وفي مثل هذا قال [2] الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى:"وقد يعرض للقسم الأول - أي صلب العلم- أن يصير من الثالث - أي العلم الغير النافع - ويُتصور ذلك فيمن يتبجح بذكر المسائل العلمية لمن ليس من أهلها، أو ذكر كبائر المسائل لمن لا يحتمل عقله إلا صغارها، على ضد التربية المشروعة، فمثل هذا يوقع في مصائب، ومن أجلها قال علي رضي الله عنه:"حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ" [البخاري 127] ، وقد يصير ذلك فتنة على بعض السامعين، فلا يصح للعالم في التربية العلمية إلا المحافظة على هذه المعاني وإلا لم يكن مربّيًا، واحتاج هو إلى عالم يربّيه. انتهى"
(1) - بواسطة فتح المغيث للإمام السخاوي 1 - 335
(2) -"الموافقات"للشاطبي، (1/ 1/53) وفي مثل هذا قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ:"مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً". رواه مسلم في"مقدمة صحيحه"،و فيه إنقطاع.