الصفحة 23 من 37

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"هذا مع أني دائما - ومن جالسني يعلم ذلك مني - أني من أعظم الناس نهيا عن أن يُنْسَب معيَّن إلى تكفير وتفسيق ومعصية إلا إذا عُلِمَ أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة، وفاسقا أخرى، وعاصيا أخرى، وأنّي أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية، وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا معصية. اهـ"

بهذا عُلِمَ أنّ المقالة أو الفعلة قد تكون كفرًا أو فسقا، ولا يلزم من ذلك أن يكون القائم بها كافرا أو فاسقا، إما لانتفاء شرط التكفير أو التفسيق، أو وجود مانع شرعي يمنع منه" [1] ."

-وكذلك ما يجب أن يُعْلَمَ أنه لا يُجَرَّحُ إنسان بذنب إرتكبه وتاب منه، أو بهفوة تراجع عنها، وهذا واضح لا يحتاج إلى تفصيل.

بل قال [2] العلاّمة المعلمي: ما تقرر في الشرع أنّه كبيرة، إذا وقع من الإنسان فلتة كمن أغضبه إنسان فترادّا الكلام حتى قذفه على وجه الشتم، ففي الحكم بفسقه نظر، لأن مثل هذا لا يوجب سوء ظن الناس بالمشتوم، فإنّ سامع مثل هذا قد يفهم منه الشتم فقط، لا أنّ الشاتم يثبت نسبة الفاحشة إلى المشتوم؛ والذي يدفع الإشكال من أصله أن يتوب ويستغفر، فعلى فرض أنها كبيرة فقد تاب منها، وقد تقرر في الشرع أنّ التوبة تجُبّ ما قبلها، وأنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له. انتهى

-وما يجب أن يُرعى: الإنصاف.

قال [3] الإمام ابن عبد الهادي: وما تحلى طالب العلم بأحسن من الإنصاف وترك التعصب.

و قال الإمام إبن القيّم:

وتعرَّ من ثوبين من يلبسهما ... يلقى الردى بمذمةٍ وهوان

ثوب من الجهل المركب فوقه ... ثوب التعصب بئست الثوبان

وتحلَّ بالإنصاف أفخر حلة ... زينت بها الأعطاف والكتفان

واجعل شعارك خشية الرحمن مع ... نصح الرسول فحبذ الأمران

علَّق الإمام البخاري في صحيحه عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قوله: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالَم، والإنفاق من الإقتار.

والإنصاف هو من أعز الخصال، وهو أن يعرف الإنسان الحق على نفسه ويوفيه من غير طلب

فمن اتصف بهذه الخصلة لم يترك حقا واجبا إلاّ أدّاه، ولم يترك شيئا ممّا نُهي عنه إلاّ اجتنبه.

وبهذا الإنصاف أمر الله تعالى، فقال سبحانه كما في سورة المائدة:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) ". وعلى هذا سار علماؤنا رحمهم الله تعالى؛ قال [4] الإمام إبن القيم: والإنصاف أن تكتال لمنازعك بالصاع الذي تكتال به لنفسك، فإنّ كلّ شيء وفاء وتطفيفا. انتهى

(1) -"القواعد المثلى"للعلامة ابن عثيمين (ص: 87 - 88) - بتصرف بسيط-.

(2) - الإستبصار في نقد الرجال ص:38

(3) - نصب الراية 1/ 355

(4) -حاشيته على سنن أبي داود 1 - 188

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت