الصفحة 24 من 37

وقال [1] : وهذا بيّن بحمد الله عند أهل العلم والإيمان مستقر في فطرهم ثابت في قلوبهم يشهدون انحراف المنحرفين في الطرفين، وهم لا إلى هؤلاء ولا هؤلاء، بل هم إلى الله تعالى ورسوله متحيّزون، وإلى محض سنّته منتسبون، يدينون دين الحق أنّى توجّهت ركائبه، ويستقرون معه حيث استقرت مضاربه، لا تستفزّهم بدواة آراء المختلفين، ولا تزلزلهم شبهات المبطلين، فهم الحكام على أرباب المقالات، المميّزون لِِِّّما فيها من الحق والشبهات، يردّون على كل باطله، ويوافقونه فيما معه في الحق، فهم في الحق سلمه، وفي الباطل حربه، لا يميلون مع طائفة على طائفة، ولا يجحدون حقّها لما قالته من باطل سواه، بل هم ممتثلون لقول الله تعالى: ياأيّها الذّين ءامنوا كونوا قوّامين بالقسط-الآية-؛فإن كان قد نهى عباده أن يحملهم بغضهم لأعدائه أن لا يعدلوا عليهم مع ظهور عداوتهم ومخالفتهم وتكذيبهم لله ورسوله، فكيف يسوغ لمن يدّعي الإيمان أن يحمله بغضه لطائفة منتسبة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، تصيب وتخطئ، على أن لا يعدل فيهم، بل يجرد لهم العداوة وأنواع الأذى، ولعلّه لا يدري أنهم أولى بالله ورسوله، وما جاء به منه علما وعملا ودعوة إلى الله على بصيرة، وصبرا من قومهم على الأذى في الله وإقامة لحجة الله، ومعذرة لمن خالفهم بالجهل، لا كمن نصب معالمه صادرة عن آراء الرجال فدعا إليها وعاقب عليها وعادى من خالفها بالعصبية وحميّة الجاهلية. انتهى

و ما أجمل ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهو يُترجم مبدأ الإنصاف:"وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكا، فإن المنازع قد يكون مجتهدا مخطئا يغفر الله خطأه، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته. انتهى"

-وممّا يدخل في الإنصاف ما بيّنه الإمام الشافعي في أنّ النُُقّّاد قد يختلفون في وُجهات النظر، فلا أحد يبخس لما عند غيره، فقال [2] : وليس للعدل علامة تفرق بينه وبين غير العدل في بدنه ولا في لفظه، وإنّما علامة صدقه بما يخبّرُ من حاله في نفسه؛ فإذا كان الأغلب من أمره ظاهر الخير قُبل، وإن كان فيه تقصير عن بعض أمره، لأنه لا يُعرّى أحد رأيناه من الذنوب؛ وإذا خلط الذنوب والعمل الصالح فليس فيه إلا الاجتهاد على الأغلب من أمره، بالتمييز بين حسنه وقبيحه، وإذا كان هذا هكذا فلا بدّ من أن يختلف المجتهدون فيه؛ وإذا ظهر حسنه فقبلنا شهادته، فجاء حاكم غيرنا فعلم منه ظهور السّيئ كان عليه ردّه، وقد حكم الحاكمان في أمر واحد بردّ وقبول، وهذا اختلاف، ولكن كلً قد فعل ما عليه. انتهى

قال [3] حامد العلي: إختلاف الأئمة في الحكم على طائفة، أو شخص، قد إشتبه حاله، لتعارض ما فيه من خير وشر، أو ما يظن أنه شر، فيقدم بعضهم إحسان الظن فيه، ويغلب الآخر ضده، هذا الإختلاف، لا ينبغي أن يجعل من قضايا النزاع، التي يتعصب عليها وينفخ فيها نار الغضب، فإن هذا كثير في الأمة منتشر جدا، ولا يكاد ينضبط هذا الخلاف، ونادرا ما يتفق العلماء على المدح المطلق أو الذم المطلق، اللهم إلا فيمن اشتهر في الإمامة في الدين فيطبق على مدحه، أو ترأس ضلالة فعرف بها وانتصب للدعوة إليه فأطبقوا على ذمه.

وما عدا ذلك فقد يطبق العدد الكبير على ذم من ليس أهلا لذلك، لشيء لا يبلغ به ذلك المبلغ من الذم.

(1) - بدائع الفوائد 2 - 392

(2) - الرسالة 493

(3) - ضوابط ينبغي تقديمها قبل الحكم على الأشخاص والطوائف والجماعات، الضابط السابع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت