الصفحة 25 من 37

فقد ذكر الذهبي رحمه الله في ترجمت أحمد بن عبد الملك الذي خرج له البخاري، وغيره، وروي عنه أحمد وأبو زرعة، وأبو حاتم، قال أحمد: رأيته حافظا لحديثه، صاحب سنة، فقيل له: أهل حران يسيئون الثناء عليه، فقال: أهل حران قل ما يرضون عن إنسان، هو يغشى السلطان بسبب ضيعة له. سير أعلام النبلاء (10/ 262)

فهؤلاء المنسوب إليهم إساءة القول في هذا الحافظ، قد ذكر عنهم الإمام أحمد، أنهم قل ما يرضون عن إنسان، ولا ريب هم علماء، وإلا فعامة الناس لا يستحقون أن يذكر عنهم الحكم على المحدثين، ومع ذلك فقد ذكر ـ رحمه الله ـ أن غشيانه السلطان لا يبلغ إلى درجة إساءة الظن، مادام له محمل حسن يحمل عليه، وإذا كان مثل هذا يكون من العدد الكبير فكيف بغيرهم؟. انتهى

و من الأمثلة على ذلك: جاء في كتاب مدارج السالكين [1] للإمام إبن القيّم بعد أن ذكر بعض شطحات أهل التصوّف:"فيقال: هذا ونحوه من الشطحات الّتي ترجى مغفرتها بكثرة الحسنات، ويستغرقها كمال الصدق، وصحة المعاملة، وقوّة الإخلاص، وتجريد التوحيد، ولم تضمن العصمة لبشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الشطحات أوجبت فتنة على طائفتين من النّاس:"

أحدهما: حجبت بها عن محاسن هذه الطائفة، ولطف نفوسهم، وصدق معاملتهم، فأهدروها لأجل هذه الشطحات، وأنكروها غاية الإنكار، وأساءوا الظن بهم مطلقا وهذا عدوان وإسراف فلو كان كلّ من أخطأ أو غلط ترك جملة، وأهدرت محاسنه، لفسدت العلوم والصناعات والحكم وتعطلت معالمها.

والطائفة الثانية: حجبوا بما رأوه من محاسن القوم، وصفاء قلوبهم، وصحّة عزائمهم وحسن معاملاتهم عن رؤية عيوب شطحاتهم، ونقصانها، فسحبوا عليها ذيل المحاسن، وأجروا عليها حكم القبول والانتصار لها واستظهروا بها في سلوكهم، وهؤلاء أيضا معتدون مفرطون.

والطائفة الثالثة: وهم أهل العدل والإنصاف الّذين أعطوا كلّ ذي حقّ حقّه، وأنزلوا كلّ ذي منزلة منزلته فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول، ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح، بل قبلوا ما يقبل، وردّوا ما يردّ. انتهى

-و من الإنصاف، بل من دقّة علمائنا في كلامهم على بعض الرّواة أنّهم يميّزون بين من تردّ مروياته مطلقا وبين من تقبل إذا وُجد من وافقه من الثقات، بل ميّزوا وأوضحوا أنّ بعض هؤلاء الرواة ضُعفت مروياته في وقت دون وقت، أو في مكان دون مكان وغير ذلك، فيجب مراعاة هذا الأمر فإنّه من الإنصاف، فقد رأينا بعض الدعاة قد تغيّروا لمّا وُلّوا منصبا حكوميا، وبعضهم تغيّر لمّا رحل إلى مكان آخر، وبعضهم لمسنا تغيّره لمّا خرج من السجن وغير ذلك، فلابدّ إذا من مراعاة هذا فأمثال هؤلاء لا تردّ مروياتهم مطلقا، كما أنّ منهم من له كلام جيد وكلام ردئ وذلك بسبب المراحل الّذي يمرّ بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت