الصفحة 12 من 37

يوضّحه ذلك كلّه معرفة أنواع الخلاف:

أولا: خلاف التنوع، ويكون في الأمور الّتي شرعت متنوّعة، فيختلف العلماء في استحباب واحدة منها وتقديمه على غيره كما وقع في أدعية الاستفتاح، وطريقة الأذان والإقامة، ومنه ما يكون أنّ كلّ القولين هو في الواقع في معنى القول الآخر، لكن العبارتان مختلفتان كما قد يختلف الكثير من النّاس في التعريفات والتعبير عن المسمّيات، وتفسير بعض الآيات، وهذا ما يقال فيه اتفاق المعنى واختلاف اللفظ.

الثاني: خلاف المعتبر، وهو اختلاف المجتهدين من فقهاء ومفتين في المسائل الاجتهادية؛ وهي الّتي لا يوجد فيها نصّ قطعي، وفي هذا الخلاف لا يجوز لأحدهم أن يبخس لما عند غيره، ولا أن يحقره فالذمّ واقع على من بغى على الآخر.

قال الألباني: قد يقع أحدهم فيما هو خطأ شرعا، ولكنّه لا يؤاخذ على ذلك بل هو مغفور له، ومأجور عليه، وقد يتبيّن للباحث أنّ هذا خطأ من نوع البدعة فلا يختلف الحكم مغفورا له، ومأجور عليه لأنّه وقع عن اجتهاد منه، ولا يشك عالم أنّه لا فرق من حيث كونه خطأ، بين وقوع العالم في البدعة ظنا منه أنّها سنّة وبين وقوعه في المحرّم وهو يظن أنّه حلال، فهذا كلّه خطأ، ومغفور بإذنه سبحانه وتعالى، ولهذا نرى العلماء مع اختلافهم الشديد في بعض المسائل لا يضلل بعضهم بعضا، ولا يبدع بعضهم بعضا. انتهى

وأسباب هذا الخلاف: ذكر الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية أكثرها في كتابه رفع الملام عن أئمة الأعلام، فمنها:

-أن لا يكون الحديث قد بلغه.

-أن يكون الحديث بلغه، لكنّه لم يثبت عنده.

-التفاوت في العقل والفهم والقدرة على الاستنباط.

وغير ذلك من الأسباب.

النوع الثالث من الخلاف هو: خلاف التضاد: وهو القولان المتنافيان، وهذا الخلاف ما حمد فيه إحدى الطائفتين وذمّت الأخرى كما في قوله تعالى:"ولو شاء الله ما اقتتل الّذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البيّنات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر"

وغالبا ما يقع الخلاف من الفرقة المذمومة بعد معرفتهم للحق، وجحودهم له تكبرا وتعنتا لقوله تعالى:"وما اختلف الّذين أوتوا الكتاب إلاّ من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم"

ومن أسباب هذا الخلاف: ذكر الإمام الشاطبي في كتابه الاعتصام [1] ثلاثة أسباب:

أ-"أن يعتقد الإنسان في نفسه أو يعتقد فيه أنّه من أهل العلم والاجتهاد في الدّين ولم يبلغ تلك الدرجة فيعمل على ذلك، ويعد رأيه رأيا، وخلافه خلافا، فنراه آخذا ببعض جزئيات الشريعة في هدم كليّاتها حتى يصير منها ما ظهر له بادي رأيه من غير إحاطة بمعانيها، ولا رسوخ في فهم مقاصدها"وما يجب التأكيد عليه: أنّ الخلاف في بعض القواعد الكلّية لا يقع في العاديات الجارية بين المتبحّرين في علم الشريعة، الخائضين في لجّتها العظمى، العالمين بمواردها ومصادرها، بل يقع في حالات نادرة لأمرين ذكرهما الشاطبي في كتابه الإعتصام [2] ، فقال:

-أن يخالف أصلا مخالفة ظاهرة من غير استمساك بأصل آخر، فهذا لا يقع من مفت مشهور، إلاّ إذا كان الأصل لم يبلغه، كما وقع لكثير من الأئمة حيث لم يبلغهم بعض السنن فخالفوها خطأ، وأمّا الأصول المشهورة فلا يخالفها مسلم خلافا ظاهرا من غير معارضة بأصل آخر، فضلا عن أن يخالفها بعض المشهورين بالفتيا.

-أن يخالف الأصل بنوع من التأويل هو فيه مخطئ. انتهى

(1) - (ص: 391)

(2) - (ص: 365)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت