ب-"والسبب الثاني من أسباب خلاف التضاد: إتباع الهوى، ولذلك سمّي أهل البدع، أهل الأهواء، لأنّهم اتّبعوا أهواءهم فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار إليها، والتعويل عليها، حتّى يصدروا عنها، بل قدّموا أهواءهم واعتمدوا على آرائهم ثمّ جعلوا الأدلة الشرعية منظورا فيها من وراء ذلك" [1] .
ج-"والسبب الثالث: تصميم على إتباع العوائد وإن فسدت، أو كانت مخالفة للحق وهو إتباع ما كان عليه الآباء والأشياخ وأشباه ذلك وهو التقليد المذموم". [2]
"وهذه الأسباب الثلاثة راجعة في التحصيل إلى وجه واحد وهو الجهل بمقاصد الشريعة والتخرص على معانيها بالظن من غير تثبت، فهؤلاء الخوارج مثلا وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنّهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يعني والله أعلم أنّهم لا يتفقهون به حتّى يصل إلى قلوبهم."
لأنّ الفهم راجع إلى القلب، فإذا لم يصل إلى القلب لم يحصل فيه فهم على حال، وإنّما يقف عند محل الأصوات والحروف فقط، وهو الّذي يشترك فيه من يفهم ومن لا يفهم". [3] "
بعد معرفتنا لأنواع الخلاف، أقول: إذا كان الخلاف من قبيل خلاف التضاد، فلا بدّ أن نتأكّد من الخطأ، فقد تكون من وهم الناقل أو الجارح.
-فأحيانا يُخَطَّأ الإنسان بلفظة قالها تحتمل الصواب والخطأ معًا.
قال [4] عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"لا تظنن بكلمة خرجت من فيّ امرئ مسلم سوءً وأنت تجد لها في الخير محملا."
"ولهذا يتعيّن طرح العبارات المرهَقَة بالمعاني المحتملة بسبب العموم والإطلاق، ويحمل كلام الخصم على أحسن المحامل ما أمكن ذلك" [5] .
قال [6] ابن عثيمين: يستحب للإنسان أن يظن بالمسلمين خيرا، وإذا وردت كلمة من إنسان يحتمل الخير والشرّ فاحملها على الخير ما وجدت لها محملا،
و إذا حصل فعل من إنسان يحتمل الخير والشر فاحمله على الخير ما وجدت له محملا، لأنّ ذلك يزيل ما في القلب من الحقد والعداوة والبغضاء، ويريحك، فإذا كان الله لم يكلفك أن تبحث وتنقب فاحمد الله على العافية، وأحسن الظن بإخوانك المسلمين، وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ... و هذا هو اللائق بالمسلم، أمّا من فتن - والعياذ بالله - وصار يتتبع عورات النّاس ويبحث عنها، إذا رأى شيئا يحتمل الشرّ ولو من وجه بعيد طار به فرحا ونشره، فليبشر بأنّ من تتبّع عورة أخيه تتبّع الله عورته، ومن تتبّع الله عورته فضحه ولو في حجر بيته. انتهى
-بل أحيانا يُحمل الكلام على أسوأ المحامل وإن بعُد لأنّه صادر من المخالف، وهذا عنوان الحقد والغلّ.
قال [7] العلاّمة إبن القيم: فالله تعالى يحبّ الإنصاف، بل هو أفضل حلية تحلّى بها الرجل خصوصا من نّصب نفسه حكما بين الأقوال والمذاهب، وقد قال تعالى لرسوله:"وأمرت لأعدل بينكم"فورثة الرسل منصبهم العدل بين الطوائف، وألاّ يميل أحدهم مع قريبه، وذوي مذهبه وطائفته ومتبوعه، بل يكون الحق مطلوبه يسير بسيره وينزل بنزوله، يدين دين العدل والإنصاف، ويحكم الحجة، وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو العلم الّذي قد شمر إليه، ومطلوبه الذي يحوم بطلبه عليه، لا يثني عنه عذل عاذل، ولا تأخذه فيه لومة لائم، ولا يصدّه عنه قول قائل. انتهى
(1) - الإعتصام (ص: 398)
(2) - نفس المصدر (ص: 402)
(3) - نفس المصدر (ص: 403)
(4) - أخرجه البيهقي في"الشعب" (8345) عن سعيد بن المسيب قال: كتب إليَّ بعض إخواني من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فذكره، وأبو نعيم في"الحلية" (5/ 278) من طريق ابنه عبد العزيز بن عمر عنه.
(5) -"الرد على المخالف"ص: 58.
(6) - الشرح الممتع، م5 - كتاب الجنائز
(7) - إعلام الموقعين 3 - 78