وقال [1] في موضع آخر: فينصروا الله ورسوله بكلّ قول حقّ قاله من قاله، ولا يكونوا من الذين يقبلون ما قاله طائفتهم وفريقهم كائنا من كان، ويردون ما قاله منازعهم وغير طائفتهم كائنا ما كان، فهذه طريقة أهل العصبية، وحميّة أهل الجاهلية، ولعمر الله إن صاحب هذه الطريقة لمضمون له الذمّ إن أخطأ، وغير ممدوح إن أصاب، وهذا حال لا يرضى به من نصح نفسه وهُدي لرشده، والله الموفق. انتهى
ثمّ وضّح رحمه الله في موضع آخر السبيل الأقوم لفهم العبرات، فقال في كتابه مفتاح دار السعادة: إذا أردت الإطلاع على كنه المعنى، هل هو حق أو باطل فجرّده من لباس العبارة، وجرّد قلبك عن النفرة والميل، ثمّ اعط النظر حقّه ناظرا بعين الإنصاف، ولا تكن ممن ينظر في مقالة أصحابه، ومن يحسن ظنّه نظرا تامّا بكلّ قلبه، ثمّ ينظر في مقالة خصومه، وممن يسيء ظنه به كنظر الشرز والملاحقة، فالناظر بعين العداوة يرى المحاسن مساويء، والناظر بعين المحبّة عكسه، وما سلم من هذا إلاّ من أراد الله كرامته، وارتضاه لقبول الحق. انتهى
-وأحيانا يُخَطَّأ الإنسان بلازم كلامه المسكوت عنه.
قال [2] الشافعيّ: من نسب إلى الساكت قولا فقد كذب عليه.
و قال [3] شيخ الإسلام: لازم المذهب لا يجب أن يكون مذهبا، بل أكثر النّاس يقولون أقوالا ولا يلتزمون لوازمها. انتهى
يوضح هذا ابن عثيمين حيث قال [4] :"لا يُنسَب هذا اللازم للقائل، لأنّه يحتمل إذا ذُكِرَ له أن يلتزم به، أو يمنع التلازم، ويحتمل لو ذُكِرَ له فتبيّن له لزومه وبطلانها أن يرجع عن قوله، لأن فساد اللازم يدل على فساد الملزوم، ولو ورد هذان الإحتمالان لا يمكن الحكم بأنّ لازم القول قول. فإن قيل: إن كان هذا اللازم من قوله، لزم أن يكون قولا له، لأنّ ذلك هو الأصل، لا سيما مع قرب التلازم. قلنا (الكلام للشيخ) : هذا مدفوع بأنّ الإنسان بشر، وله حالات نفسية وخارجية توجب الذهول عن التلازم، فقد يغفل أو يسهو أو ينغلق فكره، أو يقول القول في مضايق المناظرات من غير تفكير في لوازم ذلك. انتهى"
-وأحيانا يُخَطَّأ الإنسان ببتر كلامه والإستدلال بجزئه، وهذا هو شأن
أهل الأهواء حتى يجدوا من كلمات خصومهم ما يسوغ لهم جرحهم، والردّ عليهم.
قال [5] الإمام أحمد بن حمدان الحرّاني رحمه الله تعالى:"اعلم أنّ أعظم المحاذير في التأليف النقلي إهمال نقل الألفاظ بأعيانها، والإكتفاء بنقل المعاني، مع قصور التأمل عن إستيعاب مراد المتكلم الأوّل بلفظه، وربّما كانت بقية الأسباب متفرّعة عنه، لأنّ القطع بحصول مراد المتكلم بكلامه، أو الكاتب بكتابته مع ثقة الراوي يتوقف عليه إنتفاء الإضمار، والتخصيص، والنسخ، والتقديم والتأخير، والإشتراك، والتجوّز، والتقدير، والنقل، والمعارض العقلي: فكلّ نقل لا نأمن معه حصول بعض الأسباب، ولا نقطع بإنتفائها نحن ولا الناقل، ولا نظن عدمها ولا قرينة تنفيها، فلا نجزم فيه بمراد المتكلم، بل ربّما ظنناه وتوهَّمناه، ولو نُقِل لفظه بعينه وقرائنه وتاريخه وأسبابه إنتفى هذا المحظور. انتهى"
(1) - نفس المصدر 2 - 42
(2) - بواسطة الحاوي الكبير 1/ 26
(3) - مجموع الفتاوى 6/ 460
(4) -"القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى"للعلامة ابن عثيمين (ص: 12 - 13) ، الدار السلفية- الجزائر.
(5) -"صفة الفتوى والمفتي والمستفتي"للإمام أحمد بن حمدان الحرّاني، ت: الشيخ الألباني - (ص: 105 - 106) المكتب الإسلامي 1397هـ.