حتى قال [1] شيخ الإسلام: يجب أن يفسر كلام المتكلم بعضه ببعض ويؤخذ كلامه هاهنا وهاهنا، ويُعرف ما عادته يَعنيه ويريده بذلك اللفظ إذا تكلم به، وتعرف المعاني الّتي عُرف أنّه أرادها في موضع آخر، فإذا عُرف عرفه وعادته في معانيه وألفاظه كان هذا ممّا يستعان به على معرفة مراده. انتهى
و هذا ما قرّره تلميذه الإمام إبن القيم، حيث قال [2] : الكلمة الواحدة يقولها إثنان يريد بها أحدهما أعظم الباطل، ويريد بها الآخر محض الحق، والإعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه وما يدعو إليه. انتهى
-وأحيانا يُجرح الإنسان بسبب لا يُعَدُّ من أسباب الجرح.
قال [3] الحافظ العلائي رحمه الله تعالى: الصحيح أنّ التعديل يقبل من المعدل من غير ذكر سببه، وأنّ الجرح لا يُقبَل إلا مفسّرًا مبيّن السبب، وذلك لأنّ الناس يختلفون فيما يجرح، وما لا يجرح، فربَّما أطلق أحدهم الجرح على ما في ظنه أنّه جارح، وليس هو بجرح في نفس الأمر.
مثال ذلك: روى الخطيب في"الكفاية"عن أبي بكر بن أبي الأسود، قال: كنت أسمع الأصناف من خالي عبد الرحمن بن مهدي، وكان في أصل كتابه قوم قد ترك حديثهم مثل الحسن بن أبي جعفر، وعبّاد بن صهيب وجماعة نحو هؤلاء، ثم أتيته بعد ذلك بأشهر وأخرج إلي"كتاب الدّيات"فحدثني عن الحسن بن أبى جعفر فقلت: يا خالي أليس كنت قد ضربت على حديثه وتركته؟ قال: بلى، تفكرت فيه إذا كان يوم القيامة قام الحسن بن أبى جعفر فيتعلق بي فقال: يا رب سل عبد الرحمن بن مهدى فيم أسقط عدالتي؟ فرأيت أن أحدث عنه وما كان لي حجة عند ربي، فحدث عنه بأحاديث.
3 -بعد التأكد من الخطأ، ننظر: هل أخطاؤه كثيرة أم نادرة؟.
قال [4] الإمام النووي رحمه الله تعالى: إنّ ضبط الراوي يعرف بأن تكون روايته غالبا كما روى الثقات لا تخالفهم إلاّ نادرا فإن كانت مخالفته نادرة لم يُخِل ذلك بضبطه بل يحتج به لأنّ ذلك لا يمكن الإحتراز منه، وإن كثرت مخالفته إختل ضبطه ولم يحتج برواياته وكذلك التخليط في روايته وإضطرابها إن نَدُر لم يضر وإن كثر ردت روايته. انتهى
و قال [5] الإمام الذهبي: والكمال عزيز، وإنّّّما يمدح العالم بكثرة ماله من الفضائل، فلا تدفن المحاسن لورطة ولعله رجع عنها، وقد يغفر له في إستفراغه الوسع في طلب الحق ولا حول ولا قوة إلا بالله. انتهى
قال [6] سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى:"ليس من شريف ولا عالم ولا ذي سلطان إلاّ وفيه عيب لا بد، ولكن من الناس من لا تذكر عيوبه من كان فضله أكثر من نقصه."
وقال [7] الإمام الزبيدي رحمه الله تعالى:"مجرد الكلام في الرجل لا يسقط حديثه، ولو إعتبرنا ذلك لذهب معظم السنة، إذ لم يسلم من كلام الناس إلاّ من عصمه الله تعالى. انتهى"
(1) - الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح 4/ 44
(2) - مدارج السالكين 3 - 521؛و أنظر كتابه إعلام الموقعين 3 - 86
(3) - -"رفع الإشكال عن صيام ستة أيّام من الشّوال"للإمام العلائي، ت: صالح الشلاحي- (ص: 43)
دار ابن حزم 1994م
(4) - -"شرح مقدمة صحيح مسلم"للإمام النووي (1/ 1 / 50) .
(5) - سير أعلام النبلاء 16/ 285
(6) - رواه الخطيب في"الكفاية، ص: 101"
(7) -"الرد على من أبى الحق وادّعى أن الجهر بالبسملة من سنة سيد الخلق"للإمام أبي الفيض الزبيدي، ت: أحمد الكويتي، دار الراية 1991، وهذه الرسالة ضمن كتاب الإمام الزبيدي"إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين"م3.