الصفحة 7 من 37

"حيث أنّ النّاصح ليس له غرض في إشاعة عيوب من ينصح له، وإنّما غرضه إزالة المفسدة التي وقع فيها، أمّا المعيّر فلا غرض له في زوال المفاسد، وإنما غرضه في مجرّد إشاعة العيب في أخيه المؤمن، فمِنْ أظْهَرِ التعيير إظهار السّوء وإشاعته في قالب النصح وزعم أنّه إنّما يحمله على ذلك العيوب، وكان في باطنه غرضه التعيير والأذى فهو من إخوان المنافقين الذين ذمّهم الله تعالى في كتابه، فإن الله تعالى ذمّ من أظهر فعلا وقولا حسنًا، وأراد به التوصل إلى غرض فاسد يقصده في الباطن، فإن كان مراد الرّادّ بذلك إظهار عيب من ردّ عليه، وتنقصه وتبيين جهله وقصوره في العلم ونحو ذلك كان محرَّمًا سواء كان ردّه لذلك في وجهه أو في غيبته، وسواء كان في حياته أو بعد موته، وهذا داخل فيما ذمّه الله تعالى في كتابه، وتوعّد عليه في الهمز واللّمز، وداخل أيضا في قول النبي صلى الله عليه وسلم:"يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ لاَ تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ وَلاَ تُعَيِّرُوهُمْ وَلاَ تَطْلُبُوا عَثَرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْ عَوْرَةَ المُسْلِمِ يَطْلُبْ اللهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ يَطْلُبْ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ" [1] . وإن كان مقصود الرّادّ في ذلك مجرّد تبيين الحق، ولئلا يغتر الناس بمقالات من أخطأ في مقالاته، فلا ريب أنه مثاب على قصده، ودخل بفعله هذا بهذه النيّة في النصح لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامّتهم، وسواءً كان الذي بيّن الحق صغيرًا، أو كبيرًا، فله أسوة بمن قبله من العلماء" [2] .

-تنبيه: ظهرت نابتة تطعن في كلّ من رّدّ على غيره بأنواع التّهم وعلى رأسها"متعالم"فممّا يجب التنبيه إليه أنّه"يجب حمل كلام الرّادّ ابتداءً على القصد الأخْيَرِ - أي مجرّد تبيين الحق - ومن حمل كلامه على غير ذلك، فهو ممّن يظن بالبريء الظنَّ السّوء، وذلك من الظنّ الذي حرمه الله ورسوله، وهو داخل في قوله تعالى:"وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدْ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112) "النساء، فإنَّ الظن السّوء ممن لا تظهر منه أمارات السّوء، ممّا حرّمه الله ورسوله، فقد جمع هذا الظّان بين إكتساب الخطيئة والإثم، ورمي البريء بها. ويقوّي دخولَه في هذا الوعيد إذا ظهرت منه - أعني الظَّان - أمارات السوء، مثل كثرة البغي والعدوان، وقلة الورع، وإطلاق اللسان، وكثرة الغيبة والبهتان، والحسد للناس على ما آتاهم الله من فضله، والإمتنان، وشدة الحرص على المزاحمة على الرئاسات قبل الأوان" [3] .

ومن أمارات الإخلاص إتباع السنّة، وهدي سلف هذه الأمّة.

-ثانيا: إتباع المنهج الصحيح:

قال [4] شيخ الإسلام: الكلام في النّاس يجب أن يكون بعلم وعدل، لا بجهل وظلم كحال أهل البدع. انتهى

فمن تكلّم في غيره بغير علم فهو مخالف لقوله تعالى:"ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السّمع والبصر والفؤاد كل ّذلك كان عنه مسئولا"

(1) - حديث صحيح، أخرجه ابن حبان (1494 - موارد) والترمذي (2032) بنحوه من حديث عبد الله بن عمر، وله شاهد من حديث البراء بن عازب رواه أبو يعلى الموصلي في"مسنده" (1675) والبيهقي في"شعب الإيمان" (9660، 11196) وغيرهما، قال الهيثمي (8/ 93) :"رواه أبو يعلى ورجاله ثقات"، وله شاهد آخر من حديث أبي برزة الأسلمي أخرجه أبو داود (4880) وأحمد (19277، 19302)

(2) - أنظر رسالة الفرق بين النصيحة والتّعيير (ص: 22 - 25)

(3) - الفرق بين النصيحة والتعيير (ص: 14) بتصرف يسير

(4) - منهاج السنة النبوية 4/ 337

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت