لهذا الكتاب قصة ...
فمنذ بضع سنوات كنت أكتب مؤلفي الأول عن نظرية الإسلام في النفس الإنسانية في مجالها الفردي والاجتماعي، وسميته"الإنسان بين المادية والإسلام". وأشهد أنني حتى اللحظة التي بدأت فيها الكتابة بالفعل لم أكن أتصور أن نظرة الإسلام إلى النفس الإنسانية هي بهذه الدقة والشمول في كل اتجاه!
لقد كنت -بطبيعة الحال- قد كونت فكرة عامة بدأت الكتابة على أساسها؛ هذه الفكرة مبنية على أن"التوازن"هو أساس نظرة الإسلام إلى الحياة وإلى الإنسان. وأن الإسلام هو النظام الذي يوازن بشكل دقيق ملحوظ بين مختلف القوى الإنسانية: يوازن بين الروح والجسد، بين الأشواق العليا ونزعات الغريزة، بين الخضوع لضرورات الحياة، والتسامي إلى طلاقة الأفق الأعلى .. كما أن الإسلام يقع في نقطة الوسط بين أفكار البشرية المتطرفة. يقع بين الكبت الذي تفرضه بعض النظم والعقائد، والانطلاق الحيواني الذي توحي به بعض آراء علماء النفس من أمثال فرويد. ويقع بين الفردية المتطرفة التي تقوم في العالم الرأسمالي، والجماعية المتطرفة التي تقوم في العالم الشيوعي. ويقع بين المادية المغرقة التي تحدد الحياة بما يقع في محيط الحواس، والروحانية المغرقة التي تهمل عالم المادة لتتعلق بسبحات الروح وأطياف الخيال.
تلك هي الفكرة العامة التي كنت قد كونتها من دراستي لنظرة الإسلام إلى الحياة والإنسان. ولكن فيضًا عجيبًا من الخواطر المتلاحقة كان يرد في خاطري أثناء الكتابة، كأنه يخطر لي لأول مرة، وكأنما أكتشفه اكتشافًا في أثناء الطريق!
هذه الخواطر سجلت بعضًا منها في كتاب"الإنسان بين المادية والإسلام"لأنها تدخل بصفة مباشرة في موضوع البحث، ولأنها لازمة لتوضيح الفكرة الأساسية للكتاب .. ولكن بقية من هذه الخواطر كانت تملأ ذهني في وقتها فأبعدها عن خاطري إبعادا، حتى لا يتضخم الكتاب من جهة، وحتى يمكن من جهة أخرى الإلمام بفكرة عامة عن سيكلوجية الإسلام، دون أن تتوزع في كثير من التفصيلات.
وظلت هذه الخواطر حبيسة لا أجد الفرصة لتسجيلها .. حتى سجلتها أخيرًا في هذا الكتاب.
إنه مجموعة من الخواطر يربطها كلها رباط واحد، هو أنها عرض للفكرة الإسلامية في الفرد والمجتمع، يشمل نواحي مختلفة من النفس الإنسانية والنشاط الفردي والاجتماعي.
وقد يلحظ القارئ نوعًا من التسلسل في موضوعات الكتاب، أو يلحظ على الأقل نوعًا من الترابط بين مجموعات مختلفة من العنوانات التي جاء بعضها على إثر بعض.
وعلى أي حال فالرباط الأكبر هو أنها كلها مأخوذة من زاوية العقيدة، وأثرها في الحياة البشرية.
وهي مادة تصلح بذورًا لتكوين نظرية إسلامية نفسية، لا أزعم أنني وصلت فيها إلى شيء قاطع، ولكن حسبي منها أن أفتح بها الباب للباحثين يستخلصون منها ومن غيرها نظرية تفصيلية تشمل كل ميدان النفس، وتصلح أن توضع في ميدان البحث العالمي في مقابل النظريات الغربية، تتلافى ما فيها من انحرافات وعيوب، وتساهم في إنشاء عالم أفضل، يقوم على هدى واضح واتجاه سليم [1] .
نرجو الله أن يوفقنا إلى ما فيه الخير، إنه سميع مجيب الدعاء ...
(1) - بين يدي الآن بحث أرجو أن أقدمه للقراء قريبا باسم"دراسات في النفس الإنسانية".