الفرد أم المجتمع؟ أيهما الذي يواجه الحوادث ويصنع التاريخ؟
كان القدماء يعتقدون أن الفرد هو الذي يوجه الأحداث. الفرد الممتاز بطبيعة الحال. وأن المجتمع -أو الدهماء- لا دور لهم إلا الانقياد للزعيم، والسير في الطريق الذي يوجههم فيه.
وقام المحدثون يعارضون هذه النظرية في عنف، ويقولون إن المجتمع هو الذي يستطيع أكثر من غيره أن يتفهم التيارات التي تسري فيه فيتمشى معها ويعمل على إنضاجها، وأن الفرد العادي لا يقل أهمية عن الفرد الممتاز في هذا المجال.
ولم يكتف هؤلاء المحدثون بأن يفسروا التاريخ الحديث وحده هذا التفسير، -أي في الفترة التي صار فيها للفرد العادي كيان متميز- بل راحوا يزيدون أن الفرد والجماعة كليهما محكومان منذ فجر التاريخ بالتطور المادي أو التطور الاقتصادي، وأن هذا الأخير وحده هو الذي يصنع التاريخ؛ وهو يصنع التاريخ في اعتقادهم من خلال الجماعات لا من خلال الأفراد!
والواقع أن إصدار حكم واحد ينطبق على جميع الحالات أمر عسير.
والأصح والأقرب إلى العدالة في نظري أن نقول إن هناك تفاعلا دائمًا بين الفرد والمجتمع في كل حركة كبيرة من حركات التاريخ؛ كلاهما يأخذ ويعطي. ولكن الدفعة الإيجابية قد تكون أبرز في أحد الجانبين منها في الآخر. فيبدوا هذا الجانب راجح الكفة، وإن كانت الكفة الأخرى لا تصل في حالة من الحالات إلى حد الخواء.
المجتمع يبرز مرة، والفرد يبرز مرة، والتفاعل موجود دائمًا في جميع الحالات.
والرد على المتطرفين الذي يلغون دور الفرد الممتاز في التوجيه والقيادة، ويجعلونه قوة سالبة بالنسبة لقوة المجتمع، أو لقوة المادة والاقتصاد .. الرد البسيط على هؤلاء أن نتصور بعض أحداث التاريخ التي ارتبطت بحياة فرد، ثم نفترض أن هذا الفرد لم يوجد، أفكانت الأحداث تسير على نفس النسق وتؤدي نفس النتيجة؟ إذا كان الجواب نعم، فهذا الفرد إذن ليس له دور إيجابي في الموضوع. وإذا كان الجواب لا، فمن أين جاء الفارق، والمجتمع هو هو في الحالتين؟
خذ نابليون. فلعله من أبرز"الأفراد"الذين لعبوا دورا في التاريخ.
وتصور لحظة أنه ليس هو الذي يلعب على المسرح، وإنما هو شخص آخر ليست له أطماع نابليون، ولا تركيبه العصبي والفكري والجسدي، ولا عقده النفسية، ولا مشاعر"شعوره"ولا خفايا"لاشعوره".. هل كان يسير تاريخ فرنسا في ذات الخط الذي سار فيه صعودًا وهبوطا ونجاحا وخيبة؟
الذي يقول نعم لا شك يغالط نفسه ويغالط التاريخ.
وخذ من التاريخ الإسلامي شخصية عمر ... عمر الفذ في التاريخ الإنساني كله. هل كانت الدولة الإسلامية التي صارت فيما بعد"العالم الإسلامي"تسير على نفس النسق بوجود عمر وعدم وجوده سواء؟
الذي يقول ذلك يغالط نفسه ويغالط التاريخ.
فصفات عمر الشخصية بارزة إلى حد يبهر النظر في كل أحداث تلك الفترة من تاريخ الإسلام وتاريخ العالم المعروف كله في ذلك الحين.
وخذ مثلا حادثة كعزل خالد بن الوليد.
فهذه حادثة تبرز فيها شخصية عمر على أشدها. من غيره كان يجرؤ على عزل خالد؟ ومن غيره كان يمكن أن يحدث هذا الأمر ثم يمر مأمون العاقبة لا يؤدي إلى فتنة كبرى تزلزل العالم الإسلامي كله وتهد الدولة من قواعدها؟
صحيح أن إيمان خالد، وعظمته البالغة، لهما حسابهما الكبير في الموقف، ولكن هذا لا يغير وجهة النظر التي نحن بصددها. فخالد"فرد"آخر ممتاز، وتصرفه راجع إلى شخصه، ثم إن شخصية عمر الفذة كان لها رغم كل شيء الأثر الحاسم في الموقف، فربما كان خالد رغم إيمان وعظمة نفسه قمينا أن يثور ويتمرد لو أن من عزله لم يكن عمر بالذات ...