الصفحة 97 من 100

هل أحسست مرة وأنت تقدم مساعدة لشخص لا تعرفه، فتقيله من عثرة، أو ترفع له حملا لا يقوى على رفعه، أو تناوله شيئًا لا تناله يده، أو تدله على حل لإحدى مشكلاته، أو تقوم له بعمل هو في حاجة إليه .. هل أحسست بالخفة تملأ نفسك، فتكاد تحمل جسمك حملا في الهواء؟ هل أحسست روحك ترفرف عالية مستبشرة، ونشوة خفية تملأ جناحيك؟

إنها الطريق إلى الله ..

هل استأت مرة من صديق، لأنه يقوم بعمل يؤذيك أو يتسبب في مضايقتك؟ هل هممت أن تقاطعه فلا تكمله بعد ذلك أبدًا؟ هل جمعت أمرك أن تلقيها في وجهه كلمة قاطعة: لست صاحبي ولا أعرفك منذ اليوم؟

ثم رددت نفسك في اللحظة الأخيرة وقلت: إنه بشر، وكل البشر يخطئون. وأنا أيضًا أخطئ أحيانًا بغير قصد، ثم يتبين لي ما أخطأت؟ .. وهل أقبلت على صديقك تكلمه كأنه لم يسيء إليك، بل تكلمه مقبلا عليه وقد أعطيته نفسك وقلبك .. حقًا لا رياء .. حقًا ينبع من أعماق نفسك؟

إنها الطريق إلى الله ..

هل أحسست نحو إنسان أنك تحبه؟ تحبه ولست في حاجة إليه ولا تنتظر نفعا على يديه؟ تحبه بلا ضغينة له في نفسك ولا غيرة ولا حقد؟ تحبه فلا تقيس نفسك -سرًا- إليه وتقول: ألم أكن أنا أولى منه بما هو فيه؟ تحبه فلا تحسده على مزاياه ومواهبه بل تحبها كأنها هي ملكك، وتتمنى له المزيد؟ تحبه فتنجذب إليه كما ينجذب المغناطيس، وتسري روحك على موجات الجاذبية خفيفة مرفرفة نشوانة كالفراشة التي ترفرف للنور؟

إنها الطريق إلى الله ..

هل فتنتك هذه الفتاة الممشوقة الساحرة النظرات؟ هل أحسست رعشة في كيانك وهزة في فؤادك؟ هل اضطربت نفسك كلها كما تتحرك الرواسب الخامدة في الماء الرائق فإذا كله قد اضطرب وماج؛ تيارات صاعدة هابطة، وذرات تذهب وتجيء. والماء الرائق صار مختلط اللون قد امتلأ"بالعكار"؟

ثم هل تذكرت أنها ليست لك؟ وأنه ليس لك أن تتبعها بخطواتك أو بنظراتك أو بمشاعرك؟ هل أحسست -رغم الرغبة الجامحة التي تكاد تنتزعك من إطارك وتفلت بك من نفسك -أنك متنازل عنها .. عن الشهوة والفتاة، وأنك تسترد أنفاسك اللاهثة وخفقاتك المضطربة .. وتهدأ وتطمئن؟

إنها الطريق إلى الله ..

هل صفت نفسك في نور القمر؟ هل سرحت طرفك في هذا الكون الحالم الغارق في الضياء؟ هل نسيت نفسك. وأحسست بالحواجز بينك وبين الكون تتذاوب وتختفي رويدًا رويدًا حتى إذا أنت جزء من العالم الواسع الفسيح، وهو خاطرة تملأ فؤادك؟ هل نسيت أحقادك وضغائنك وما بينك وبين الناس من صراع وتضارب، وأحسست أنك والناس جميعاُ ذرات خفيفة هائمة في الملكوت، لا ينبغي أن تتصادم -فالكون فسيح- بل ينبغي أن يخلي بعضها الطريق لبعض، وأن تتجاذب لتسبح معا منسابة في النور؟ هل أحسست أنك طليق كهذا الشعاع السارب في الفضاء ينقل بسمة القمر الحالم إلى وجه الأرض؟ طليق من السلاسل التي تقيدك بالأرض، طليق من شهواتك الجامحة ورغباتك المجنونة، ونوازع الشر الحبيسة؟

إنها الطريق إلى الله ..

هل أحسست بتلك القروش التي في جيبك كأنها ليست لك؟ هل انقطعت السلسلة المتينة التي تشدك إليها وتشدها إليك؟ هل بطل الجذب العنيف الذي يربط كلا منكما بالآخر؟ هل أحسست بدلا من ذلك أن يدك تعبث بها لتخرجها من مكمنها، نشوانة بما تفعل، طليقة من الشح، نشيطة إلى العطاء؟ هل دسستها بعد ذلك في يد فلان من الناس وانطلقت نشيط الخطوات خفيف الروح، كأنك تخلصت من ثقلة كانت تشدك إلى الأرض؟

إنها الطريق إلى الله ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت