هل أحسست بالألم يعتصر فؤادك؟ ألم من كل نوع. آلام شتى، كلها مؤلم وكلها شديد .. هل أحسست أنك تتهاوى تحت وطأتها وأنك لا تستطيع احتمالها؟ هل أحسست وخزها يدفعك إلى الصياح .. إلى التأوه .. إلى الانفطار .. إلى انهيار الأعصاب وانهيار السلطان على النفس؟
ثم هل تمالكت نفسك رغم هذا، وقلت تؤسي نفسك وتجمع شتاتها تصبرها .. فليكن ذلك في سبيل الله؟
إنها الطريق إلى الله ..
هل أحسست برغبة تدفعك إلى العبادة؟ رغبة ملحة تقيمك وتقعدك، ولا تجد راحتها إلا ابتهالا إلى الله، واستسلاما لله؟ وهل خشعت نفسك وأنت تلبي هذا الهاتف الذي يدفعك إلى الله، واهتز وجدانك وشعرت بالقشعريرة تسري في كيانك؟ هل أحسست أنك لست في عالم الأرض. لست في تلك البقعة التي يحددها الزمان والمكان المعلوم. وأنك لست أنت هذه الوشائج والعضلات والعظام. وإنما أنت أمام الله ومع الله. وأنت كيان لا حدود له ولا رسم، لأنك روح تقبس من روح الله؟
إنها الطريق إلى الله ..
هل أحنقك الشر يمرح في الأرض؟ هل أحسست بهزة الغضب وأنت ترى الظلم يقع عليك وعلى غيرك من بني البشر؟ هل رأيت أنه لا يجوز لك أن تسكت وأنه ينبغي أن تتحرك وتثور؟ وأنك أنت .. أنت قبل غيرك، ينغي أن تقول لهذا الشر مكانك، فقد جاوزت حدك. وهل علمت أنك لا شك متعرض للأذى حين لا تسكت على الظلم، وحين تأخذ على عاتقك أن تقاومه وتعترض سبيله؟ وهل علمت أن الأذى قد يشتد عليك حتى ليسلبك الراحة والأمن ورغد العيش .. وقد يسلبك الحياة .. ثم ظلت نفسك على غضبها، وعلى عزيمتها في الوقوف للظلم وصد العداون؟
إنها الطريق إلى الله ..
هل ضاقت نفسك بالحياة فما عدت تطيق آلامها وقسوتها؟ هل تملكك الضجر واليأس، وأحسست بالحاجة إلى الشكوى؟ هل تلفت حولك فلم تجد من تشكو إليه؟ لم تجد الصفى الذي يخلص لك حتى لتفتح له نفسك دون تحرج وتطلعه على كل خفاياك؟ أو لم تجد راحة في شكواك إلى الناس؟
ثم هل تطلعت إلى السماء وانفجرت بالشكوى؟ هل وجدت الله وشكوت له بثك ونجواك؟ هل أحسست أن هذا الحمم الذي تطوي ضلوعك عليه قد تدفق وتدفق، وسال كلمات على لسانك وعبرات في عينيك، وأنك أرسلتها كلها إلى القوة الكبرى القاهرة التي تملك كل شيء وتقدر على كل شيء؟ وأحسست بالراحة والبرد والسلام إذ انطلقت تلك الشحنة الحبيسة ووصلت إلى غايتها؟ وهدأت نفسك أنك أودعتها حيث ينبغي أن تودع وحيث لا تضيع؟
إنها الطريق إلى الله ..
هل ألممت بذنب؟ هل جمحت نفسك فانطلقت من عقالها، وأنت تغلبها فتغلبك، أو تسكت عنها منذ البدء فتنطلق إلى حيث يغويها الشيطان؟ هل وقعت الواقعة وانتهى الأمر ولم يعد إلى مرد من سبيل؟
وهل أفقت من غفوتك على لذعات ضميرك؟ هل نكست رأسك خجلا من نفسك أن ضعفت وتلاشيت أمام الإغراء؟ هل أحسست أنك لا شيء؟ أنك تافه لا تستحق التقدير والاحترام؟
هل انقلبت خطيئتك سجنًا يحيط بك من كل جانب، لا مهرب منه إلا إليه. وحيثما توجهت سد عليك الأفق وحجبه بالظلمات؟
وهل ضاقت نفسك بالحياة؟ ...
ثم ...
هل انفتحت كوة من عالم الغيب ودخل منها بصيص من النور؟
هل استروحت نسمات تدخل إليك من عالم سحيق؟
هل أحسست بسمة حانية تطل عليك من ملكوت الله؟
هل أحسست يدًا رفيقة تأخذ بك من كبوتك؟