الصفحة 3 من 100

عقيدة. أو لا عقيدة؟!

سؤال حائر في أفكار الشباب وفي ضمائرهم.

ما قيمة العقيدة؟ ما دورها في الحياة؟ هل يمكن أن يكون لها اليوم دور في عصر الآلة والإنتاج الكبير؟

وما غرض العقيدة؟ أو ليس هدفها إقامة الحياة البشرية على أسس صالحة؟ لقد تولى ذلك عنها العلم في العصر الحديث، فأقام نظما اقتصادية واجتماعية من شأنها تنظيم العلاقات بين الناس على أسس الاشتراكية والتعاون، بحيث تجعلهما جزءا من النظام العام، تشرف عليه الدولة، وتضع له التشريعات والقوانين.

فماذا بقى إذن من مهام العقيدة لم تقم به"الدولة"الحديثة؟ لقد كان للعقيدة دور مهم تؤديه يوم كانت الدولة في طفولتها، وعلاقات الناس شخصية أكثر منها جماعية ونظامية. أما اليوم فقد صيغت العواطف نظما والنوايا الطيبة أعمالا منظورة. وتحول العدل الاجتماعي من دعوة ووعظ، إلى نظريات علمية وتطبيقات عملية. فما شأن العقيدة في العالم الحديث؟

ثم إن العقيدة وما حولها من روحانيات وطقوس كانت مفهومة قبل أن يفسر العلم ظواهر الحياة تفسيرًا"واقعيا"؛ فكان الجهل بما وراء هذه الظواهر هو الذي يدفع الناس إلى افتراض قوة خفية تسيّر الكون. وإذ كانوا لا يرونها، وهم في الوقت ذاته يخشونها، فقد أقاموا العبادات لاسترضائها واستمطار رحمتها. واليوم ذهب ذلك كله. فقد"قهر"الإنسان الطبيعة، وانتزع أسرار الكون واحدا إثر واحد. فجّر الذرة واستخلص منها طاقة هائلة يمكن أن تدمر وجه الأرض. واكتشف أعماق البحار المجهولة وأغوار السماء. وفتش في كل مكان حتى عرف القوة الخفية أو كاد! فما معنى التشبث بما كان أيام الضعف والجهالة؟ اليوم يعبد الناس إلههم الجديد الذي وصّلهم إلى الأسرار. وهو العلم. أو يعبد الإنسان نفسه، فهو القوة الفعالة على ظهر الأرض! [1] .

كذلك يتحدث الشباب عن العقيدة .. مخلصا حينا، ومستمعا حينا إلى غواية الشياطين ينفثون في فكره، ويجرونه من خيوط الرغبة الهائجة والشهوة المجنونة.

والشباب دفعة الحياة الجارفة وطاقتها المذخورة. ولكنه كذلك ذخيرة خطرة حين ينحرف عن طريقه ويضل عن الهدف المنشود.

والضلال الأكبر الذي يشمل هذا الجيل من البشرية هو استغلاق روحه عن العقيدة، وانطماس بصيرته أن تستمتع بنورها الشفيف.

(وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) ..

كذلك كان الناس في الجاهلية. كانوا يتبعون باطلهم المضحك مخلصين حينا، ومستمعين حينا إلى غواية الشياطين ... (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) !

والجاهلية الجديدة أشد عتوًا لأنها أشد قوة! إنها تملك من وسائل التحطيم ما لم يخطر من قبل على ذهن بشر. لذلك فهي أشد اعتزازًا بباطلها المضحك، وأشد ضلالا به من السابقين.

كانت الجاهلية الأولى تعبد أصنامًا فجة الصنع أو فجة العقيدة. لذلك انهارت في يسر. وإن كان هذا اليسر النسبي قد استغرق بضعة قرون من الكفاح، وبضعة آلاف من أرواح البشر استشهدوا في الطريق.

والجاهلية الثانية تعبد أصنامًا لا سبيل إلى كفاحها في يسر أو تحطيمها في هوادة، لأنها لا تقوم على باطل مطلق كأوثان الفراعنة والبدو، والإغريق والفرس، بل تقوم على ركيزة هائلة من"الحق"هي ركيزة العلم.

ولكنه حق يراد به باطل.

العلم حقيقة محايدة، لا تؤدي بذاتها إلى الخير أو الشر، ولا تؤدي بذاتها إلى الهدى أو الضلال. ولكن القلب الذي يستخدم هذه الحقيقة هو الخيّر أو الشرير، هو الذي يتجه بها إلى طريق الهدى أو طريق الضلال.

ومن الناس من (وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) . وهو أخطر ممن ضل على جهالة لأنه يملك من وسائل المعرفة ما يقدر به على الشر.

(1) - انظر الفصل التالي:"العلم والعقيدة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت