الصفحة 91 من 100

كنا نتناول الطعام مرة، وجاءت صحفة من"السلاطة"، مكونة من خضر طازجة لا توابل عليها و إضافات، فقال أحد الحاضرين: أنا لا آكل من هذه الصحفة لأنها خضر خادمة لم"تصنع"بعد!

عندئذ خطر في نفسي هذا الخاطر: إن الناس يرفضون أن يأخذوا شيئًا خاما بلا صناعة. وأيما خامة وجدوها لم يتركوها على حالها، ولم يألوا جهدا في أن يصنعوا منها أشياء جديدة مختلفة الأشكال والألوان. ويحسون بالزهو الغامر كلما استطاعوا أن يبعدوا بها عن خامتها الأولى، وكلما استعصى على الناظر أن يكشف أصلها عُدَّ ذلك إتقانا للصنعة وشهادة لها بالتفوق والافتتان.

وقد قضى الإنسان آمادا متطاولة وهو منطقي مع نفسه في هذا الاتجاه فلم يكتف بصناعة المادة، والابتعاد بها عن أصلها الأول، وابتداع أشكال متعددة من الخامات الواحدة، بل مضى على النهج ذاته في صناعة النفوس! فلم يترك نفسه على خاماتها الأصلية الفطيرة، بل راح يهذبها ويصقلها، ويخرج من ركامها وترابها ألوانا بديعة من الصور الرائعة. راح يخرج من شهواتها النافرة ودوافعها الناشزة نماذج رائقة من المشاعر والأفكار متعددة تعدد أنماط البشرية.

وما من شك أن الخطى في صناعة المادة كانت أسرع من الخطى في صناعة النفوس. لأنها أطوع وأسهل، وأكثر خضوعا للتشكيل والتنويع. بينما النفوس -لحيويتها-لا تثبت على الوضع المطلوب لها بغير مشقة، وبغير رعاية دائمة في الليل والنهار.

وما من شك كذلك أن الخطى في صناعة المادة كانت تسير قدما ولا ترجع، لأن العنصر المسيطر عليها -وهو العلم- يسير في خط صاعد أبدًا، يضيف كل يوم جديدًا في عالم المادة دون أن يضيع منه القديم، بينما كانت الخطى في صناعة النفوس تتعثر وتضطرب، وتصعد وتهبط، لأن"مادة النفوس"لا تثبت على قرار واحد، ولا تنى ترتد كل هنيهة أو تشرد عن الطريق.

ولكنها كانت تسير على أي حال! وكانت حين تتعثر وتضطرب تجد من يدعوها إلى العودة إلى الطريق السوي، وتجد من يندد بانحرافها عن سواء السبيل.

ولكن الإنسان في القرن العشرين يرتد في نكسة كبرى، فينسى منطق وجوده وينسى اتجاهات كيانه، ويروح يسمي هذا التهذيب النفسي والخلقي نفاقا! ويروح يندد بصناعة النفوس، ويقول: لماذا لا نرتد إلى الفطرة. لماذا لا نترك نفوسنا على"حقيقتها". لماذا نقيم الحواجز المصطنعة. لماذا لا نعترف بالحقائق البيولوجية؟!

وى! هل النفوس وحدها هي التي ينبغي أن تترك على فطرتها الخامة بلا تصنيع؟!

بل إنهم لا يقولون ذلك بشأن الكيان النفسي في مجموعه.

فتناول الطعام فطرة البشر، كما هو فطرة جميع الأحياء ... فكيف يقول لك الأوروبي المهذب المتمدين إذا رآك تغرس أصابعك في اللحم فيسيل دهنه على يدك و"تتلغمط"به شفاهك!

وإنه ليزجرك ويندد بك. ويقول لك إن الإنسان صنع السكين واالشوكة والملعقة"ليهذب"تناول الطعام. ليهذب الفطرة. ليبعد بها عن خامتها الأولى إلى ألوان جديدة رائعة زاهية، تخفي أصلها الأول وتبدو كأنها خلق جديد.

واللباس فطرة .. أو كأنه فطرة. فكيف يقول لك هذا الغربي المهذب المتمدن لو رآك تلبس قطعة من الخيش، أو ثوبًا غير مخيط؟ متأخر! لا تفهم الحضارة. لا تفهم أن الإنسان قد تفنن في صناعة الملابس، لينشئ"جمالا"زائدًا عن مجرد الضرورة، وليمنح الحياة ثروة واتساعا بتنويع النماذج وتعديد الأنماط.

وكذلك في معظم شئون الفطرة، ومعظم شئون الحياة.

إلا الجنس! تلك مشكلة القرن العشرين!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت