الصفحة 87 من 100

الشيوعية في نظر أصحابها هي النظام الأخير للبشرية .. أي أنها النظام النهائي الذي ليس له في ذاته نهاية!

ومع ذلك فإن الفلسفة الشيوعية ذاتها هي التي تحدد نهاية الشيوعية!

الغذاء والمسكن والجنس .. تلك هي المطالب الأساسية كما حددها كارل ماركس في الإعلان الشيوعي.

والغذاء والمسكن والجنس هي الهدف الذي تسعى الحكومات الشيوعية لتحقيقه لمئات الملايين.

وهو هدف ضخم جدًا بغير شك وجدير بأن يشغل الحكومات كلها شيوعية كانت أو غير شيوعية.

ولكن نقطة الخلاف بيننا وبين الشيوعيين، أن هذه الأهداف وحدها لا يجوز أن تكون هي الشغل الأوحد لحكومة من الآدميين. وإلا فلو قامت بين الحيوانات حكومة، أو لو أن بشرا قام يشرف على تنظيم حياة الحيوان، فما الذي يمكن أن يسعى لتوفيره له إلا الغذاء والمسكن والجنس؟! فهل يليق بكرامة الآدميين، وحكومات الآدميين أن تكون مطالبها هي ذاتها مطالب الحيوان؟ وفيم إذن كان الإنسان إنسانا إذا كنا سنعود به إلى عالم الحيوان؟

ولا نحب أن نظلمهم ولا أن نتجنى عليهم. فهم لا يرون الحياة البشرية تقف عند هذا الحد في حقيقة الأمر. ولكنهم مع ذلك يقصرون وظيفة الدولة على ضمان تلك المطالب الرئيسية. ويدعون بقية الأمور تنبت نباتا تلقائيا بعد تنظيم الاقتصاد، على الأساس الفلسفي الخاطئ الذي يؤمنون به، وهو أن مجالات الإنسان العليا: من فكر أو فن أو -لا قدر الله! - إنما هي انعكاس للوضع الاقتصادي القائم، وليست شيئا قائما بذاته، ناشئا من جذور إنسانية أصيلة، شأنها شأن عوامل المادة والاقتصاد.

ولن تفلح الشروح الشيوعية كلها في زحزحتنا عن عقيدتنا الفاسدة، التي تجعلنا نؤمن أن العناصر الاقتصادية جانب واحد من جوانب الكيان الإنساني الواسع، وأن هناك في هذا الكيان قيما أخرى ليست اقتصادية في جوهرها، ولا يهذبها، وإنما كل ما يصنعه هو أن يهيئ لها جوا صالحا للتغذية والتهذيب .. فقط ولا يزيد!

لن تفلح الشروح الشيوعية -العلمية! - كلها في زحزحتنا عن هذه العقيدة الساذجة الفاسدة، الموروثة من عقلية القرون الوسطى، لأننا نرى في عالم الواقع لا في الكتب والنظريات حادثتين ضخمتين في العالم الشيوعي، تكذبان هذه الشروح العلمية كلها وتؤيدان ما نذهب إليه من أفكار.

بريا .. وستالين.

اتهم بريا -وأعدم من أجل هذا الاتهام- بأنه يتآمر مع الرأسمالية سرًا لتقويض أركان الشيوعية. من أجل أن يتمتع هو بالسلطان!

والاتهام لا يخرج عن أحد أمرين، فهو إما صادق وإما كاذب.

فإذا كان صادقا، فقد وجد إذن بين الذين تربوا في ظل النظام الشيوعي، وانطبعوا بانطباعاته كلها، وجرت عليهم حتمية التنظيم الاقتصادي التي تقضي بامتناع شهوة السلطان ما دام المجتمع غير طبقي ولا يمارس الملكية الفردية. وجد بين هؤلاء من يضرب بهذه الحتمية عرض الحائط، ويبرز أمام الناس مثالا بشعا للخيانة وعدم الإيمان، لأن هذه الشهوة النفسية -شهوة السلطان- لم تتهذب بكل التنظيمات الاقتصادية، ولم تنبت حولها الفضيلة نباتًا تلقائيًا يغنيها عن توجيه العناية المباشرة إليها، بغذاء لا يستمد من عالم المادة وعالم الاقتصاد.

غذاء العقيدة .. غذاء الروح.

أو يكون الاتهام كاذبا .. فالأمر سواء!

لقد وجد إذن في العالم الشيوعي المنظم تنظيما اقتصاديًا -علميًا! - من تسول له نفسه الكذب، واتهام الأبرياء وإعدامهم، رغبة في التخلص منهم، والتفرد دونهم بالسلطان!

ذلك بعض ما نخلص إليه من الحادث الأول الخطير.

أما ستالين فشأنه أخطر. فقد كتبت عنه الصحف الروسية -لا صحف أعدائه- أنه كان مجرما فظا يحكم البلاد بالدكتاتورية والحديد والنار والتجسس، وأنه كان يعبد شخصه ويسعى لفرض عبادة شخصه على الجماهير!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت