الصفحة 95 من 100

أيهما الحقيقة؟

نظرت مرة من مبنى المجمع العالي فرأيت"الكوبري". كوبري قصر النيل. فخطر لي هذا الخاطر: أهذا هو الكوبري الضخم الذي أمر عليه وأشاهد طوله واتساعه وحركة المرور الدائبة التي تمر عليه؟ أهذا هو ذلك الشريط الضيق المعلق في الفضاء فوق النيل على دعائمه الصغيرة المتواضعة؟

أيهما حقيقة الكوبري؟ أهي التي أراها الآن، إذ أراه كله وحدة متكاملة وأرى على جوانبه رقعة من الفضاء، ولكني أراه بالنسبة للرقعة الواسعة شيئًا صغيرًا محدود الآماد؟ أم حقيقته هي تلك التي أراها وأنا عنده إذ أراه ضخما ممتد الأبعاد، لا أكاد أرى شيئًا غيره، بل لا أراه هو إلا أجزاء تلو أجزاء؟

تقول إن النظرة الثانية هي الحق لأنها ترى الواقع كما هو من قريب؟

نعم. ولكنها نظرة جزئية لا تدرك الكل، ولا ترى النسبة بين الأبعاد على حقيقتها. والأولى هي التي تمكنني من رؤية حقيقة الكوبري بالنسبة للماء والشاطئين وبقية الفراغ!

أيهما أصدق؟ النظرة الجزئية التي تكبر الأجزاء وترى كل تفصيلاتها، أم النظرة الكلية الشاملة التي تحدد أبعاد الأشياء كلها بالنسبة بعضها لبعض، ولكنها تهمل الجزئيات أو تضغطها فلا تكاد تبين؟

أي النظرتين ترى الحقيقة؟ أم إنها لا هذه ولا تلك، وإنما هي نسب مختلفة تبدو لي بحسب موقعي من المكان؟

أيهما الحقيقة؟

هذه الفتاة الفاتنة التي تسلب اللب، ولا يملك الفتى إزاءها نفسه، يراها فلا يكاد يشبع من النظر إليها. كل شيء فيها فتنة. وجهها الساحر. عيناها المشرقتان. شفتاها الممتلئتان بالحيوية والنداء. حركاتها. لفتاتها. ضحكاتها. بسماتها. تعبيرات وجهها المتباينة المتلاحقة. النور الذي يشع من كيانها كله، والنار المتأججة من حولها ..

هل هذه هي حقيقتها؟ أم هي تلك الفتاة العادية التي يراها الفتى ذاته حين تهدأ الرغبة ويستقر الشواظ؟ فتاة ككل النساء. يا لها من متصنعة. ما هذه الحركات التي لا مبرر لها ولا ضرورة. ما هذا الثقل الظاهر في روحها إذ تحاول أن تلفت نظره إليها وهو لا يريد؟

نقول إن الصورة الثانية هي الحقيقة لأنه يراها بلا هوى ولا تحيز، ولكن الأولى كاذبة لأنه يراها بعين الرغبة المجنونة؟

نعم. ولكن هذه الرغبة ذاتها: أليست حقيقة؟

تريد أن تتأكد؟ انظر إلى صورتها في نفسه مرة أخرى حين تعود الرغبة ذاتها من جديد! حينئذ تختفي"الحقيقة"التي رآها بعينه الباردة مرة، وتظهر"الحقيقة"الأخرى التي يراها بعين الرغبة والاشتعال.

أي الصورتين هي الحقيقة؟ أم إنها لا هذه ولا تلك، وإنما هي انعكاسات مختلفة بحسب مشاعره من الصورة؟

أيهما الحقيقة؟

هذا الرجل الذي تراه لأول وهلة فتستثقل ظله، وترى عيوبه بارزة نافرة منفرة؟

أم هو حين تألفه وتأنس إليه، وترى لطف روحه ومزاياه التي لم ترها لحظة النفور؟

تقول إن الثانية هي الحقيقة، لأنك لم تأنس إليه إلا حين اكتشفت -على مهل وروية- أنك مخطئ في تقديرك الأول، وأن هناك مزايا كانت خافية للنظرة الأولى؟

نعم. ولكن انتظر حتى تبرد موجة هذا الحب، وتنصرف عنه لأمر من الأمور!

أيهما الحقيقة؟

هذا المنظر الذي تبصره العين لأول مرة ويتفتح له الوجدان، فإذا كل شيء فيه سحر، وكل معنى فيه جميل. يخفق له القلب كما تخفق العين، وترف حوله الخواطر، ويضطرب الوجدان بشتى الأحاسيس، وتهتز أوتار النفس كلها في امتزاج كامل بهذه التجربة الحية ...

أم ذلك المنظر ذاته حين تألفه العين وتألف النفس، فيفقد حرارته، ويمر عليه الإنسان دون اكتراث؟

تقول إن النظرة الثانية هي الحقيقة، لأنها بريئة من بهرة السحر واضطراب الوجدان، فهي لذلك ترى الحقيقة بلا زيادة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت