هل الصراع ضرورة بشرية؟ بحيث لو خلت منه النفس الإنسانية والحياة البشرية لنقصت كل منهما عنصرًا أساسيًا في كيانها؟ أم هو مرض يصيب النفس والمجتمع، ونشاط ضار كالأورام الخبيثة التي تصيب الجسم فتفسد كيانه، وتقضي عليه في النهاية؟
يحلم الشيوعيون بعالم خلا من الصراع.
ومن قبل كانت"اليوتوبيات"-أو العوالم المثالية الخيالية- تحلم هذا الحلم، وترسم له صورًا مبدعة من صنع الخيال ..
ولكن الصراع مع ذلك حقيقة!
وأنا أحسب أنه قائم في طبيعة الكون كله، وليس في طبيعة الإنسان فحسب. انظر إلى الأفلاك كلها في الكون العريض .. كل فلك يقع بين الشد والجذب لمجموعة من الأفلاك الأخرى، وهو لا يأخذ مساره المنتظم المتوازن إلا بوجوده بين هذه الأفلاك، وتعرضه لشدها وجذبها جميعًا! قوة تجذب عن يمين وقوة تجذب عن شمال، ثم ينتظم الكوكب في مداره المرسوم. ولو بطل الشد والجذب لهوى الكوكب في الفضاء إلى حيث لا يعلم أحد، ولا يستطيع أن يتصور أحد!
كل ما هناك أن هذا الشد والجذب قائم بمقدار، حسبما قدرته القوة المعجزة التي أنشأت هذا الكون من العدم، والتي تدبر أمره وتشرف عليه. وهدفه المرسوم هو إيجاد التوازن في الكون، وليس هدفه الإفناء والتحطيم. فكل كوكب يتعرض منه للقدر الذي يحفظ توازنه في النهاية، ولا يعرضه للتناثر والتفكك، إلا حين تكون تلك هي المشيئة العليا للقوة التي تدبر أمر هذا الكون العريض.
ثم انظر إلى الحياة على الأرض.
إنها مثل من أمثلة الصراع الأزلي الدائم الذي لا يفتر ولا يضعف ولا يهن.
كل نبات له آفة. وكل حيوان له عدو ..
والمد والجزر بين الفريقين دائمان متناوبان.
كل ما هناك أن حركة الصراع الدائمة بين هذه المتناقضات تهدف إلى إيجاد التوازن الدائم بين قوى الأرض، فلا تطغى قوة على الأخرى، ولا تنفرد وحدها بالسلطان!
وعالم الإنسان كذلك .. الصراع عنصر من عناصره الأصيلة، وضرورة لا تستقيم بدونها الحياة.
ضرورة يشير إليها تركيب الإنسان ذاته من جسم وعقل وروح، مختلفة المطالب متباينة الاتجاه.
وتشير إليها رغبات الإنسان التي لا تقف عند حد، وطاقته المحدودة التي لا تستطيع تلبية الرغبات كلها، سواء رغبات الجسد أو العقل أو الروح.
يشير إليها تطلع الإنسان الحسي والمعنوي إلى السماء، إلى الطيران والتحليق، والجاذبية الحسية والمعنوية التي تثقله إلى الأرض، وتشده إليها شدًا.
يشير إليها اضطرار الإنسان إلى مقاومة كثير من الآفات والأمراض والقوى الطبيعية لكي يعيش، فضلا عن أن يرتفع بحياته إلى حيث يرجو من الارتفاع.
ويشير إليها أخيرًا وجود الشر في الأرض كحقيقة واقعة، واضطرار الخير أن يصارع الشر لكي يثبت وجوده، فضلا عن الغلبة عليه في نهاية المطاف.
ونبدأ بهذا العنصر الأخير.
هل أمكن في الواقع العملي القضاء على الشر ومحوه من الوجود؟
تلك هي الشيوعية التي زعمت أنها أممت وسائل الإنتاج لتبطل الصراع -الذي لا منشأ له في زعمهم إلا السعي لتملك وسائل الإنتاج -تلك هي الشيوعية تتهم بريا بالسعي إلى السلطان، وتحاكمه وتعدمه -لثبوت التهمة في نظرها- رغم أنه تربى في ظل النظام الشيوعي وارتفع في ظله من القاعدة إلى القمة.
وهذا هو ستالين -بعد أن مات- يُتهم في روسيا بالدكتاتورية والطغيان، والانحراف عن مبادئ الشيوعية، والأثرة والأنانية، وارتكاب الجرائم بلا وازع ولا ضمير!
فما معنى ذلك؟
معناه أن إبطال الملكية الفردية لم يبطل نوازع الشر في النفوس، وأن هذه النوازع -في بعض النفوس على الأقل- أعمق كثيرًا من وسائل الإنتاج!