فهرس الكتاب
وهذا الجيل من البشرية ربما كان أبعد أجيالها في الضلال، لأنه أشدها ضلالا"على علم"وأقدرها على استخدام العلم في طريق الشر.
وما هذه الحروب المدمرة التي تهدد العالم بالفناء؟ اثنتان في ربع قرن والثالثة على الأبواب؟
يقولون لك إنه"الصراع".. صراع الحياة، أو صراع البقاء.
نعم. ولكنه في الواقع هو الضلال الذي يؤدي إلى الصراع.
لو أفلت نظام الكون .. لو انحلت الرابطة التي تربط كوكبًا بكوكب، وتسيّر الأفلاك في الكون العريض .. كيف يحدث؟
ولو أفلت نظام الذرة، وهي البنية التي يقوم عليها الكون، لو تفتت نواة الذرة التي تمسك حولها الكهارب المنطلقة في نشاط دائم .. كيف يحدث؟
هل يحدث إلا الفوضى المدمرة والضلال الرهيب .. ؟
ذلك ما حدث لهذا الجيل من البشرية. تفتت نواته. وانطلقت كهاربه المجنونة تصطدم وتتحطم، وتدمر كل ما تصادفه في الطريق.
وهل يمكن أن تكون النواة في الكيان البشري غير العقيدة؟
النواة هي الطاقة الموجبة في بناء الذرة. وهي التي تمسك الكهارب المنطلقة أن ينحل عقدها، وتنفلت إلى غير رجوع. هي التي تمسك البناء كله وتشده بعضه إلى بعض. هي التي تحفظ التوازن وتسير النظام. هي المركز الذي يدور كل شيء حوله، ويظل أبدًا منجذبًا إليه في رباط خفي ولكنه وثيق.
وحين تتحطم الذرة يحدث الخراب. تنطلق القوى التي كانت خيّرة منذ لحظة، لأنها كانت -وهي مشدودة إلى النواة- تمثل النشاط الدائب الذي يعمل للبناء. تنطلق هذه القوى بلا ضابط، فتصبح هي قوى الشر وعوامل التدمير!
وكذلك الإنسان بلا عقيدة!
كتلة هائمة من النشاط المجنون. نشاط مدمر لأنه فقد المركز الذي يدور حوله، وفقد كذلك الرباط الوثيق بين أجزائه.
أو .. ميوعة وانحلال. تفكك ورخاوة. تفاهة سالبة، كالكهرب السالب بلا نواة تشده إليها وتحركه إلى هدف معلوم.
وهذا وذاك هو الواقع الذي يعيش فيه البشر في القرن العشرين.
فهل رأت البشرية في تاريخها الطويل من دواعي القلق والفزع ما تراه اليوم من الحرب الذرية؟
هل رأت من دواعي الصراع المجنون -حتى أيام الغابات والكهوف- ما تراه اليوم من الصراع العنيف من أجل الغلبة والسلطان، والإهلاك والتدمير؟
وهل رأت من الانحلال الخلقي والتفاهة المشردة ما تراه اليوم في المراقص والحانات، والغابات والطرقات، والصحف العارية والسينما المتبذلة و"الفن"الخليع؟
نعم .. مر على البشرية من كل ذلك ألوان. ولكنها لم تبلغ قط في حدتها وضراوتها ما بلغته في هذا الجيل.
يقولون لك: هذه ضريبة العلم.
كذبوا: إنها نتيجة الضلال.
ليس العلم شريرًا في ذاته. وليس من الضروري أن تكون ضريبته هي هذا الشر الضارب في الآفاق.
ولكنه هو هكذا المخلوق البشري حين ينحل رباطه ويختل توازنه. هو هكذا يصبح قطعة من الشر، وصنوا للشيطان.
تذكر الإحصاءات أن ما أنفق في الحربين الأخيرتين كان كفيلا بأن يمنح كل فرد على ظهر الأرض بيتًا حديثًا مجهزًا بأنفع الأدوات، ودخلا أعلى من المتوسط اليوم.
يقولونها للتسلية والتندر ..
ليس هناك دافع جدي يقول للناس: ويحكم! ماذا تصنعون!
ليس هناك شعور حقيقي بوحدة الإنسانية وأخوتها.
ليس هناك ضابط حقيقي يمنع شهوة الإبادة والتخريب.
ليس هناك عقيدة.
وتذكر الإحصاءات أن ما ينفق في المواخير ونوادي الميسر ووسائل الهبوط المختلفة، من ساعات العمر ومن الأموال التي تمثل الكد البشري، هو مئات الملايين.
يقولونها للتسلية والتندر.
ليس هناك إحساس حقيقي بكرامة البشرية أن تهبط إلى هذا المستوى من التفاهة والانحلال.
ليس هناك استخسار حقيقي للطاقة البشرية الضائعة في لا شيء، المنحدرة إلى الهاوية.