فهرس الكتاب
ليس هناك تقدير حقيقي لتلك الخامة العجيبة التي صنع منها المخلوق البشري. الخامة القادرة على الرفعة بقدر ما هي قادرة على الهبوط.
ليس هناك معرفة حقيقية بهذا الجوهر الفذ الذي نفخ فيه الله من روحه وخلقه على صورته.
ليس هناك عقيدة.
وحين يفقد الإنسان العقيدة فهكذا يصير .. ضراوة الوحش وتفاهة الانحلال.
هل معنى ذلك أن نغمض أعيننا عن كل ما أحرزته البشرية في العصر الحديث من تقدم؟ ونلغي من حسابنا كل ما يسره العلم من الخدمات؟
كلا! ما قصدنا إلى شيء من ذلك. وإنه لضرب من المستحيل.
وإنما نقصد فقط أن نراجع الوسائل والأهداف.
لأي معنى نعيش؟
هل كل همنا أن نبدد طاقتنا الحيوية في متاع الجسد، أو نتصارع كالوحوش على الغلبة والسلطان؟
أو لشيء أعلى من ذلك نعيش؟
نستمتع بمتعة الجسد، ونتطلع مع ذلك إلى آفاق أخرى، آفاق تربط بين البشر برباط الأخوة وتهدف إلى الجمال؟ الجمال في كل شيء. جمال التعبير، وجمال الشعور. لا في عالم الفن المحدود وحده ولكن في نطاق الحياة كله ... وهل أجمل شعورًا في النفس من الحب؟ وأجمل تعبيرًا من الخير في الحياة؟
والوسيلة هي العقيدة ..
والمخلوق البشري ككل شيء في بينة هذا الكون الأعظم. (مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ) .
نواة موجبة الطاقة وكهارب سالبة تستمد منها الحركة الدائبة والهدف المحدد الاتجاه.
هذا .. أو الفوضى الضاربة الأطناب.
والعقيدة هي الرباط الذي يربط كيان الإنسان ويوحد اتجاهه. هي العقدة الصلبة التي تمنع انحلاله. هي التي تنظم غدوه ورواحه. وتوازن بين دفعاته المتشعبة الأهداف.
ولا شيء يستطيع أن يغني في ذلك غناء العقيدة. لا العلم. ولا الدولة ولا التنظيم الاجتماعي. ولا تنظيم الاقتصاد [1] .
كلها جزئيات تشمل أجزاء من الكيان البشري ولا تجمعه كله. والويل لها إن لم يكن بينها ترابط يجمع شتاتها ويوازن بين دفعاتها المتشعبة الأهداف. فعند ذلك تمزق المخلوق البشري بين الشد والجذب، وتفسد أعصابه، وتدفع به إلى الجنون.
الجنون الذي يسمونه الحرب. أو الجنون الذي يسمونه صراع الحياة.
أو في القليل جنون التكالب على المتاع الجسدي المسعور.
والعقيدة هي الرقية من هذا الجنون.
إنها ليست بديلا من العلم. أو الدولة. أو التنظيم الاجتماعي. أو تنظيم الاقتصاد.
وليست في موضع التقابل من ذلك كله [2] .
وإنما هي الرباط الذي يربط كل ذلك، ويوجهه إلى طريق الخير. هي النواة التي تمسك كيان الذرة وتنظم ما فيها من النشاط.
والنواة -وهي ثابتة راكزة- لا تعيق نشاط الكهارب ولا تمنعها من الانطلاق.
تمنعها فقط من الفوضى والتصادم. تمنعها من الانفلات بلا غاية ولا دليل. لأنها عندئذ تفقد معناها. تفقد وظيفتها الحقة، وتصبح أداة للهدم فوق أنها هي ذاتها تضيع.
والعقيدة لا تمنع الاستمتاع بالطيبات من الرزق ولا تحرم زينة الله التي أخرج لعباده. ولا تمنع كذلك تقدم العلم وتنظيم المجتمع [3] .
وإنما تجعل لكل ذلك غاية. غاية غير الصراع المجنون والتدمير الرهيب. غاية هي الشعور الجميل والتعبير الجميل. غاية هي الحب وهي الخير.
والحب هو الله.
والخير هو الله.
والله جميل يحب الجمال.
(1) - انظر الفصل التالي عن"العلم والعقيدة".
(2) - انظر الفصل التالي عن"العلم والعقيدة".
(3) - انظر الفصل التالي عن"العلم والعقيدة".