الصفحة 72 من 100

ورب قائل أن يقول إنه ليس عمر الفرد الفذ هو الذي صنع تاريخ تلك الفترة من الزمان. وإنما هي"الروح الإسلامية". وذلك حق ليس فيه شك. ولكن فضيلة عمر ومزيته"الشخصية"أنه استوعب الروح الإسلامية بكل خصائصها، واستوعبها"بقوة"تناسب قوة نفسه، وسار معه مستقيما لا ينحني ولا يضعف ولا تضطرب في يديه مقاليد الأمور.

ونظرة واحدة إلى تاريخ الإسلام بعد عمر -في فترة عثمان- ترينا أن الفارق الضخم هو فارق الشخصيتين، هو الفارق بين فرد وفرد في توجيه الحوادث وقياد الأمور.

وليس معنى ذلك أننا مع عمر -أو مع غيره من عظماء التاريخ- نلغي دور المجتمع ونجعله كمية سالبة مطلقة السلبية. فهناك دائما هذا التفاعل المشترك بين الفرد والمجتمع. فلو لو يكن المجتمع أيام عمر مسلما، متشبعا بالروح الإسلامية، مستجيبا لوحيها وأهدافها، لاستعصى على عمر -بعظمته الشخصية وحدها- أن يسير به إلى القمم العالية التي وصل إليها. ولكان قمينا أن يصرف جزءا من طاقته الجبارة في الصراع مع الناس، مع الجماهير التي لا تريد أن ترتفع، أو التي تنكل عن التكاليف. فدور المجتمع إذن واضح في مساندة عمر، وتيسير مهمته في بناء الدولة الإسلامية، وتوفير الجهد كله لهذا البناء، بدلا من توزيعه بين الهدم والبناء. كل ما هناك أن الطاقة الإيجابية المتمثلة في شخصية عمر من الضخامة بحيث تبهر العيون.

وكذلك الأمر مع أبي بكر في وقفته الخالدة من حرب المرتدين. إنه موقف فذ في التاريخ. موقف رجل واحد تتخلى عنه كل قوى الأرض. المسلمون كلهم بما فيهم عمر نفسه. فيستطيع بقوته الروحية الفذة التي تستمد قوتها من الله أن يحول دفة الموقف ويخوض الحرب التي غيرت وجه التاريخ.

إنه شخص أبي بكر القوة الفعالة في الموقف. ولكن هذا لا يلغي دور المجتمع ولا يجعله كمية سالبة. وما قلناه عن دور المجتمع مع عمر يصلح بنصه هنا مع أبي بكر.

ونهبط في مدارج الأشخاص حتى نصل إلى نابليون.

إنه دون شك هو القوة الفعالة في الفترة التي ظهر فيها على مسرح الأحداث. ولكنه -وحده- لم يكن ليفعل ما فعل من معارك وفتوحات. فلولا تطلع الشعب الفرنسي للغلبة والفتح، والطاقة المنبثقة من الثورة، لذهبت عبقرية نابليون الحربية مع الريح، لأنها تكون إذ ذاك عبقرية بلا رصيد. ورصيدها كان تلك الدفعة المتطلعة في نفوس الشعب، المستعدة للبذل والجهد وتحمل مشقات الحروب. ولو كان نابليون قد ظهر مثلا في الحرب الأخيرة، والشعب الفرنسي متميع منحل الأخلاق مشغول بشهواته وملذاته، فأغلب الظن أن عبقريته الحربية كانت ستفقد قيمتها في الصراع. وكل ما كان يمكن أن يحصل عليه هو هزيمة مشرفة بدل تلك الهزيمة المنكرة التي لوثت وجه فرنسا في تاريخها الحديث.

كذلك الأمر مع ستالين، الذي راحوا يحطمون تماثيله ويشوهون سمعته .. بعد أن مات!

إن دوره في بناء قوة روسيا دور غير منكور، دور يرجع إلى شخصيته غير العادية، وإلى أفكاره الخاصة وطريقة إدارته للأمور. وهم يقولون اليوم إنه خائن لمبادئ ماركس ولنين، ولعل مززيته في نظرنا هي هذه"الخيانة"التي عدّل بها بعض أسس الشيوعية فأخضعها لمنطق الواقع واقترب بها من التفكير المعقول. ولكن الذي يعنينا هنا أنه لم يكن قمينا أن يقوم بهذه"الخيانة"لولا تفرد شخصيته وبروزها، والطاقة الإيجابية التي تشتمل عليها، والقدرة على القيادة والتوجيه.

وقد يصعب علينا أن نرى دور"المجتمع"مع ستالين. فالذي يظهر للعين هو السلبية الكاملة من الشعب إزاء دكتاتورية ستالين المطلقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت