الصفحة 73 من 100

ومن المضحك أن تصاب النظم الجماعية، صاحبة الفكرة القائلة بأن المجتمع هو الأصل، وأن الفرد ليس له كيان مستقل ولا توجيه، ولا دور في صناعة التاريخ .. من المضحك أن تصاب هذه المجتمعات"بالزعامة الفردية"ممثلة في ستالين، ليهدم نظرياتها من أساسها، ويكذب في عالم الواقع ما تقول في عالم النظريات!

ولكن الدور الذي لعبه المجتمع الروسي موجود على أي حال. فالرغبة الجامحة في إنشاء روسيا الكبرى وجعلها قوة فعالة في توجيه الحوادث هي الحافز الإيجابي الذي استند إليه ستالين ... كل ما هناك أن شخصيته هي القوة الظاهرة على مسرح الأحداث.

التفاعل إذن موجود دائما بين الفرد والمجتمع. ولكن الأمثلة التي ذكرناها كانت واضحة الدلالة على الدور البارز الذي قام به أفراد في صناعة التاريخ.

وليس الأمر واحدًا في جميع الأحوال.

فهناك حركات تاريخية يبرز فيها دور المجتمع بروزًا واضحًا، كبروز الأفراد في الأمثلة السابقة.

خذ مثلا الثورة الفرنسية .. والثورة الشيوعية.

الجماهير هنا هي القوة الفعالة. القوة الدافعة. المركز الذي ينبثق منه النور أو ينتفض منه اللهيب.

وأبرز ما تبرز الجماعة في الثورة الفرنسية في عمليات التدمير والتخريب. وفي التقلبات المفاجئة في الموقف. واندفاع التيار الشعبي إلى اليمين تارة، ثم إلى اليسار تارة أخرى بنفس الحماسة ونفس القوة.

ذلك طابع الجماهير. وتلك كانت ثورة الجماهير.

وقد كان للثورة زعماء. ما ينكر أحد أنهم كانوا ذوي أثر في توجيه الثورة. ولكنهم في هذه لمرة ليسوا القوة البارزة على المسرح، إن دورهم أقرب إلى دور عامل الإشارة الذي يوجه القاطرة على الشريط، ولكن القوة الدافعة ليست في يد محول الإشارة. وإنما هي في المرجل المنطلق كالمجنون.

ولعل هذه الثورات هي التي أوحت لعلماء الاجتماع المحدثين بنظريتهم القائلة إن الجموع هي العنصر المحرك. وهي القوة الفعالة في أحداث التاريخ.

ولكن قياس التاريخ كله على بعض أجزاء منه خطأ علمي. فالواقع يشمل هذه الأمثلة وتلك. والحقيقة المشتركة هي وجود التفاعل الدائم بين الفرد والمجتمع، مع بروز أحدهما على الآخر هنا أو هناك.

وهتلر؟ ما مكانه في هذا الجدل القائم بين الفرد والمجتمع؟

لعل هتلر من الأمثلة النادرة في التاريخ، التي يكاد يتساوى فيها دور الفرد ودور المجتمع في توجيه الأحداث وتسيير دفة الأمور!

ولا شك أن المعجبين بهتلر سيقولون: كلا! إن شخصيته الفذة كانت هي محور الأحداث كلها في تلك الفترة من الزمان.

ولكن أنصار نظرية المجتمع سيقولون من جانب آخر: إن هتلر لم يكن إلا منفذاَ للدوافع الكامنة في المجتمع الألماني عقب الحرب الأولى، وعقب الهزيمة الظالمة التي أصابت ألمانيا في تلك الحرب.

الروح العسكرية المتغلغلة في الشعب الألماني. الكبرياء الجريحة في معاهدة فرساي. المطامح والمطامع التي تملأ مشاعر الشعب، ويغذيها الإحساس بتفوق الجنس الألماني في العلوم والفنون والحرب ...

كل تلك العوامل هي التي خلقت هتلر في نظر هذ الفريق من المؤرخين وعلماء الاجتماع.

ولكن هؤلاء وأولئك متطرفون.

فلنأخذ كل هذه العوامل الإيجابية في نفوس الشعب الألماني، ولنحذف وجود هتلر، ولنضع بدلا منه شخصا آخر، أو لا نضع أحدًا في مكانه، هل تكون النتيجة واحدة؟

الفرق يساوي شخصية هتلر.

ومن جانب آخر فلنأخذ هتلر بكل عبقريته ومزاياه ولنضعه في غير ألمانيا أو في ألمانيا في غير تلك الفترة وفي غير هذه الظروف. هل تكون النتيجة واحدة؟

الفرق يساوي الشعب الألماني في عهد هتلر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت