فأما الهدف الأول قد أعدّ له نابليون عدته بأن تظاهر بالإسلام، وسمّى نفسه الشيخ محمد، وكان يرأس ديوان العلماء، ويخلع عليهم الخلع السنية كالخلفاء (!) ويطلب منهم ترويج القوانين التي وضعها بدلا من الشريعة الإسلامية بحجة"الإصلاح"! ولما تنبه أحد العلماء إلى اللعبة (وهو الشيخ الشرقاوي) ورمى"الخلعة السنية"في وجه نابليون، وقال له: لو كنت مسلما حقا لطبقت الشريعة الإسلامية في بلدك فرنسا، بدلا من أن تأتي إلى هنا وتنحي الشريعة وتضع بدلا منها قوانين وضعية، غضب نابليون غضبته الشهيرة، واعتقل الشيخ الشرقاوي، وأمر بضرب الأزهر بالقنابل من القلعة،"ودخلت الخيل الأزهر" [1] واتخذه الجيش الفرنسي"اصطبلا"لخيوله، فكان ذلك سببا في إحدى الثورات الثلاث الكبرى التي انتهت بطرد الحملة الفرنسية من مصر.
وأما الهدف الثاني -"تحرير"المرأة المسلمة - فقد استصحب نابليون معه من أجل القيام به مجموعة من النساء الساقطات كن يسرن في الطرقات حاسرات متخلعات متهتكات - كما وصفهن الجبرتي في كتابه"عجائب الآثار" [2] - فتبعتهن بعض النساء المسلمات، وصرن يقلدنهن في خلع الحجاب والسير في الطرقات حاسرات، ولكن ثورة الناس عليهن قطعت عليهن الطريق، فتوقفت الحركة إلى حين!
وأما الهدف الثالث فقد جاء نابليون معه بالمطبعة العربية التي وضعها في بولاق، لهدف مباشر هو ترجمة"الأوامر"اليومية التي يصدرها"سر عسكر" [3] مزحزحا فيها الشريعة الإسلامية بحجة"الإصلاحات"، وهدف آخر بعيد، لم يمهل لتحقيقه، وإنما أفصح عنه"شاتلييه"مؤلف كتاب"الغارة على الإسلامي" [4] الذي قال فيه إن نشر الأفكار الغربية بين المسلمين كان هدفا مقصودا لهدم الإسلام:
"ولا شك في أن إرساليات التبشير من بروتستانتية وكاثوليكية تعجز عن أن تزحزح العقيدة الإسلامية في قلوب منتحليها، ولا يتم لها ذلك إلا ببث الأفكار التي تتسرب مع اللغات الأوربية. فبنشرها اللغات الإنجليزية والألمانية والهولندية والفرنسية يحتك الإسلام بصحف أوربا، وتمهد السبيل لتقدم إسلامي مادي، وتقضي إرساليات التبشير لبانتها من هدم الفكرة الدينية الإسلامية التي لم تحفظ كيانها وقوتها إلا بعزلتها وانفرادها"!!
وحين جاء الاستعمار البريطاني إلى مصر (عام 1882 م) كان من أول أعماله تقليص كيان المحاكم الشرعية، وقصرها على النظر في"الأحوال الشخصية" (الزواج والطلاق والمواريث، وهي كل ما بقي من تطبيق الشريعة) وإنشاء محاكم أخرى تحكم في كل الشئون (المدنية والجنائية) بالقانون الوضعي ولا تحكم بالشريعة.
فماذا كان بين الاستعمار الصليبي وبين الشريعة الإسلامية يوجب هذا الاهتمام كله بتنحيتها عن الحكم؟
(1) عنوان كتاب من أجود ما كتب عن تاريخ هذه الفترة لمحمد جلال كشك، يشرح فيه مؤامرة نابليون الصليبية ضد الإسلام.
(2) انظر كتاب عجائب الآثار للجبرتي، الجزاء الثاني صفحات: 231، 244 - 245، 251، 272 - 273، 302، 436 - 437.
(3) اللقب الذي أطلق على نابليون، ومعناه"أمير الجيش"أو"القائد العام".
(4) ترجمة محب الدين الخطيب. انظر مقدمة الكتاب.