كان بينهم وبينها أنهم كانوا يريدون في مبدأ الأمر تنصير المسلمين (حتى يئسوا من تحقيق هذا الهدف واكتفوا بإبعاد المسلمين عن التمسك بالإسلام كما قال زويمر في مؤتمر التنصير الذي أقيم بالقاهرة عام 1906 ومؤتمر القدس عام 1935) [1] وكان تطبيق حد الردة على المرتد مانعا من تحقيق هذا الهدف.
وكانوا يريدون استغلال الأموال بالربا (في عملية الاستعمار الاقتصادي) وكان تحريم الربا في الشريعة الإسلامية مانعا من تحقيق هذا الهدف.
وكانوا يريدون نشر الفاحشة في المجتمع المسلم لإفساد أخلاقه وتوهين عراه، وكان تحريم الزنا في الشريعة الإسلامية مانعا من تحقيق هذا الهدف.
وكانوا يريدون نشر الخمر في المجتمع المسلم ليتلهى بها عن الصحو اللازم لمقاومة الاستعمار وجهاده، وكان تحريم الخمر في الشريعة الإسلامية مانعا من تحقيق هذا الهدف.
وكانوا يريدون قبل هذا كله إزالة الحاجز النفسي الذي يحول بين الأمة الإسلامية والذوبان في الغرب وهو الشعور بالتميز في الأحكام التي تحكم حياة الناس، والتي تذكر الناس دائما في الصغيرة والكبيرة أنهم مسلمون، وأن أعداءهم - الكفار - يحتلون بلادهم ولا بد من إجلائهم عنها بالجهاد المقدس.
فأين كان موقع التنويريين في هذا كله؟ في معسكر الأمة الإسلامية أم في معسكر الأعداء؟!
لقد كانت في الحكم العثماني مظالم .. هذه حقيقة. ولكن الطريق إلى إزالة هذه المظالم لم يكن تنحية الحكم بالشريعة، واستبدال القوانين بها، فقد كان الظلم واقعا من الحكام، وليس من الإسلام كما قيل للناس لكي لا يتشبثوا بحكم الشريعة، ويوافقوا على تنحيتها وإبدالها.
وكان هناك جمود في الفقه الإسلامي في فترة الركود. هذه حقيقة. ولكن الطريق إلى إزالة هذا الجمود لم يكن تنحية الشريعة عن الحكم، واستبدال القوانين بها، فإن ذلك قد جلب على الأمة من الشر أضعاف أضعاف ما كانت تشكو منه في فترة الجمود.
ودارت العجلة دورة وجاءت الدساتير.
كيف غاب عن فطنة التنويريين وعقلانيتهم أنه لا يوجد نظام يعمل من تلقاء نفسه، بدون جهد يبذله البشر من جانبهم لتفعيله؟ وأنه لا بد لأي نظام - لكي يكون فاعلا في عالم الواقع - من تربية الناس على مقتضياته، وتدريبهم على القيام بمهامه، وتحمل تكاليفه؟
وحين جيء بالدساتير، دون أن يقوم التنويريون بإعداد الأمة لها، فكيف كانت النتائج؟
لقد كانت سخرية ليس لها حدود!
حين قامت الثورة المصرية عام 1919 م كان ونستون تشرشل وزيرا في الحكومة البريطانية، فسمع بأنباء الثورة فسأل من حوله: ماذا يريدون؟ (يقصد المصريين) فقيل له: يريدون دستورا وتمثيلا نيابيا وبرلمانا فقال:"أعطوهم لعبة يتلهون بها! Given them a toy to play with !".
وهكذا كانت"الديمقراطية"حقا التي جاءت بها الدساتير! لعبة تتلهى بها الجماهير، دون مردود حقيقي يخلص الناس من سطوة السلطان! والمستعمر هو الحاكم الحقيقي من وراء اللعبة، ومن وراء الأحزاب، ومن وراء الحكومات التي تذهب وتجيء، كما يتحرك الممثلون على المسرح، مع فارق أساسي: أن الممثل يعرف أنه يمثل، وهؤلاء يخيل إليهم أنهم أشخاص حقيقيون!!
ولكن الطامة الكبرى لم تكن تلك!
إنما كانت الانقلابات العسكرية، وما صاحبها من الأهوال!
كانت شكوى العرب التي استثيروا بها على يد لورنس - والتنويريين معه - هي من استبداد العثمانيين ومظالمهم .. ولقد كان هناك بالفعل ما يُشتكى منه من الحكم العثماني، وما يحتاج إلى تصحيح.
(1) راجع بالنسبة للمؤتمر الأول كتاب الغارة على العالم الإسلامي (سبقت الإشارة إليه) وبالنسبة لمؤتمر القدس كتاب المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام، للشيخ محمد محمود الصواف، الطبعة الثالثة ص 57 - 59.