الصفحة 48 من 60

وكان البديل الأول للحكم العثماني هو الاستعمار البريطاني والفرنسي بكل ما حمل معه من المظالم، والاستغلال، والقهر، وتذويب الشخصية عن طريق الغزو الفكري والتغريب، وإشعار العرب بالدونية، فضلا عن احتضان الأقليات التي لم يكن لها كيان ظاهر من قبل، وتكبيرها، والنفخ فيها، وتسويدها على الأكثرية العربية المسلمة، زيادة في الإذلال.

ثم كان البديل الثاني - بعد الحرب الكبرى الثانية - هو الاستعمار الجديد، الذي اختار لقهر الشعوب وإذلالها وسيلة جديدة هي الانقلابات العسكرية، وما تحمل من ألوان البطش والطغيان الذي لا مثيل له في التاريخ.

كان النظام الإداري الذي اختارته الدولة العثمانية للمحافظة على ولاياتها من التفكك والانسلاخ كما حدث للدولة العباسية من قبل، نظاما ذكيا من ناحية ولكنه فاسد ظالم من ناحية أخرى. كانت تعين الولاة لفترات قصيرة، لا تمكنهم من إنشاء جيوش خاصة يسعون بها إلى الاستقلال عن سلطة الدولة (وهو ما حدث في الدولة العباسية) فتظل الدولة متماسكة إداريا وسياسيا، ولكن الوالي الذي يعرف أنه غير باق في مكانه إلا فترة قصيرة لا يلتفت إلى مصالح الناس، ولا يهتم بإصلاح الأحوال، إنما يكون همه جمع أكبر قدر من المال من الناس، فيعطي الدولة ما كلفته بجمعه من الضرائب، ويأخذ لنفسه ما شاء بالغصب والاقتدار.

وكان هذا ظلما لا شك فيه.

ولكن الناس إذا أغلقوا على أنفسهم أبواب بيوتهم، أو كانوا في متاجرهم أو مصانعهم أو منتدياتهم فهم آمنون من بطش السلطة إذا أدوا ما عليهم من الأموال، لا أحد يتعقبهم ليحاسبهم على ما يقولون أو يفعلون، فضلا عن أن يحاسبهم على ما كان يمكن أن يفعلوه لو أتيحت لهم فرصة الفعل!

أما الانقلابات العسكرية فقد كانت نوعا من العسف لا شبيه له في طغيانه وجبروته وبشاعة جرائمه في الأنفس والأموال. وما ارتكب في سجونهم ومعتقلاتهم من أنواع التعذيب الوحشي أهوال تقشعر الأبدان من سماعها فضلا عن وقوعها على الذين وقعت عليهم بالفعل. وحشية يتعفف عنها الوحش ذاته .. فالوحش يفعل ما يفعل بفريسته ليأكل، لا لينتقم، ولا ليتلذذ بإيلام الفريسة. أما هذه الوحوش الآدمية فقد كانت تفعل ما تفعل لشهوة الانتقام، وتتلذذ برؤية الألم الوحشي ينزل بأجساد المعذبين، وتصل نشوتهم إلى قمتها إذا وصل التعذيب إلى الإهلاك.

ولم يكن القصد من هذا الإرهاب الوحشي إكراه المتهمين على الاعتراف بما يراد منهم الاعتراف به من الأعمال فحسب - سواء قاموا بها فعلا أو لم تكن لهم بها صلة أصلا - إنما المقصود إشاعة جو الرهبة في الناس جميعا، حتى لا يفكر أحد ولا بينه وبين نفسه أن ينبس بكلمة واحدة ينتقد فيها الطاغية، فضلا عن أن يقوم بعمل ضده. ومن أجل إشاعة هذا الجو من الرهبة تهاجم البيوت ليلا، لينتزع منها من يراد انتزاعه، بعد ترويع أهل البيت كلهم صغارا وكبارا، رجالا ونساء، وبعثرة ما في البيت وإتلافه بحجة البحث عن أسلحة أو منشورات، مع الفظاظة في التعامل والغلظة في التصرفات.

فماذا كان موقف التنويريين من هذا كله؟

إنه العار الأبدي الذي يحملونه إلى يوم القيامة، فقد وقفوا يساندون الطاغية ويباركون طغيانه .. لأنه يذبّح لهم المسلمين، ويزيحهم من الطريق!

وي؟!

وأين القيم؟ وأين المبادئ؟ أين"حقوق الإنسان"التي ثاروا على الترك من أجلها؟ أين حق"الآخر"في أن يعيش وأن يبدي رأيه وهو آمن، ولو خالف رأيه رأي المجموع؟!

كيف صار الأمر حين أصبح"الآخر"هو المسلم؟!

كيف استبيح دمه؟ واستبيح أمنه؟ واستبيحت كرامته؟ واستبيحت آدميته؟ في الوقت الذي يستمتع فيه المجرمون واللصوص وتجار المخدرات وتجار الأعراض بالأمن والراحة، والمال والسلطان؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت