بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا اله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله.
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} .
{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيراُ ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} .
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيما} .
أمّا بعد؛ فإنّ أحسن الكلام كلام الله سبحانه وتعالى وخير الهدي هدي محمّد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النّار.
ثمّ أمّا بعد:
إنّ المتأمّل في حال المسلمين اليوم وقد تحالف العالم كلّه واجتمع على ضربهم وتشريدهم وملاحقتهم في كل مكان، فلم يعد في القلب جرح واحد - جرح فلسطين - بل صارت جراح تدمي، كلّما تقادم جرح تلاه جرح آخر وهكذا .. فلسطين ثمّ كوسوفو فالشيشان فأفغانستان فالعراق والقائمة طويلة ومفتوحة ومن سلم من الغزو الأجنبي لا يسلم من تسلّط الحكّام المرتدّين وبطشهم.
والمتأمّل في قصص الأنبياء وفي سيرة النبيّ صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء من بعده، وسيرة العلماء الربّانيّين من بعدهم يقول في نفسه: سبحان الله .. ما أشبه اليوم بالبارحة، وما أشبه حال المسلمين اليوم بحال أولئك فالتاريخ يعيد نفسه كما يقولون.
ولو أخذنا كمثال على ذلك تحالف المشركين على سيّدنا ابراهيم وعزمهم على قتله، قال تعالى: {قالوا حرّقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ... الآية} ، ثمّ من بعده تحالف المشركين العرب على النبي صلّى الله عليه وسلّم لمّا جمعوا الأحزاب وخرجوا في جيش عرمرم يملأ الأفق لمحاصرة المسلمين في المدينة واستئصال شأفتهم والقضاء على هذا الدّين قال تعالى: {إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنّون بالله الظنونا هنالك ابتلي المومنون وزلزلوا زلزالا شديدا ... الآية} .
ثمّ بعدها ما وقع للمسلمين على عهد شيخ الإسلام بن تيمية لمّا دخل التتار بلاد المسلمين واستولوا عليها وقتلوا الآلاف من المسلمين ودمّروا كلّ ما وقعت عليه أيديهم حتّى كاد الإسلام أن ينطمس ويزول، فقيّض الله للمسلمين شيخ الإسلام بن تيمية وابن كثير وغيره فأحيوا في المسلمين روح الجهاد والذبّ عن الدّين حتّى أعاد الله للمسلمين مجدهم وعادت دولة الإسلام من جديد.
فالصراع قديم وحقيقته واحدة وسيبقى إلى قيام الساعة.
و المتأمّل في حال المسلمين اليوم يجدهم وقد صدق فيهم قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها) ، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟! قال: (بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن) ، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: (حب الدنيا وكراهية الموت) [1] .
فما أحوجنا اليوم إلى عالم ربّاني مجاهد كشيخ الإسلام بن تيمية وأحمد بن حنبل وابن المبارك وغيرهم، ينبّه الأمّة عن غفلتها ويوقضها من نومها ويحشد الهمم للقيام بأمر الدّين ويدعو المسلمين للجهاد في سبيل الله لإسترجاع مجد الإسلام وعودة الخلافة الرّاشدة، ويدعو المسلمين جميعا إلى الإلتفاف حول المجاهدين ونصرتهم.