ولو كان العالم الإِسلامي حرًا .. وقويًا كما كان .. ومتماسك القواعد والأركان .. فقد كان من المشكوك فيه كثيرًا أن تزلزل هذه التيارات شيئًا من بنيانه ، أو تغيّر تغييرًا أساسيًا في مفاهيمه .. وإن تأثرت بها نوعًا من التأثر بطبيعة الحال ..
أما وهو مكتوف بقيود الاستعمار وأغلاله .. أما وهو ضعيف واهن القوى ، من عوامل الضعف الكامنة فيه من قبل ، والسموم التي تجرعها من بعد .. فلم يكن بد من أن يتلقى هذه التيارات تلقي العاجز الموهون ، الذي لا يملك المقاومة ولا الصمود .
وهذا"التطور"كما تسميه أوربا لم يكن - على هذا النحو -"حتميًا"كما يتوهم القوم هناك . وإنما خيّل إليهم هناك أنه حتمي ، لأنه - كما قلنا - جاء نتيجة طبيعية ومنطقية لأحوالهم وظروفهم . ومع ذلك فلم يكن حتميًا حتى في أوربا ، وحتى في تلكم الظروف .. لو شاءت أوربا أن تؤمن بمثل أخرى وقيم أخرى تصد بها تلك التيارات وتوقفها عن السريان .
ولكن أوربا لم تشأ .. فكانت الحتمية هناك: ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ(1) ) .
وعلى أي حال فلم يكن هذا التطور - على هذا النحو - حتميًا بالنسبة لجميع الأرض .. وبالنسبة للإِسلام على وجه الخصوص .
وليست هذه أول مرة في التاريخ يواجه الإسلام فيها الدنيا كلها بغير ما تعتقد وما تألف ، فيتخذ هو طريقه ، بمفاهيمه الخاصة وقيمه ومبادئه ، تاركا للدنيا إلفها واعتقادها ، ثم .. يؤثر في هذه الدنيا بمفاهيمه وقيمه ومبادئه ، فيصرفها عن طريقها المعوج ، ويوجهها إلى السبيل الصحيح .
(1) سورة الرعد [ 11 ] .