الصفحة 134 من 154

ولو كان العالم الإِسلامي حرًا .. وقويًا كما كان .. ومتماسك القواعد والأركان .. فقد كان من المشكوك فيه كثيرًا أن تزلزل هذه التيارات شيئًا من بنيانه ، أو تغيّر تغييرًا أساسيًا في مفاهيمه .. وإن تأثرت بها نوعًا من التأثر بطبيعة الحال ..

أما وهو مكتوف بقيود الاستعمار وأغلاله .. أما وهو ضعيف واهن القوى ، من عوامل الضعف الكامنة فيه من قبل ، والسموم التي تجرعها من بعد .. فلم يكن بد من أن يتلقى هذه التيارات تلقي العاجز الموهون ، الذي لا يملك المقاومة ولا الصمود .

وهذا"التطور"كما تسميه أوربا لم يكن - على هذا النحو -"حتميًا"كما يتوهم القوم هناك . وإنما خيّل إليهم هناك أنه حتمي ، لأنه - كما قلنا - جاء نتيجة طبيعية ومنطقية لأحوالهم وظروفهم . ومع ذلك فلم يكن حتميًا حتى في أوربا ، وحتى في تلكم الظروف .. لو شاءت أوربا أن تؤمن بمثل أخرى وقيم أخرى تصد بها تلك التيارات وتوقفها عن السريان .

ولكن أوربا لم تشأ .. فكانت الحتمية هناك: ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ(1) ) .

وعلى أي حال فلم يكن هذا التطور - على هذا النحو - حتميًا بالنسبة لجميع الأرض .. وبالنسبة للإِسلام على وجه الخصوص .

وليست هذه أول مرة في التاريخ يواجه الإسلام فيها الدنيا كلها بغير ما تعتقد وما تألف ، فيتخذ هو طريقه ، بمفاهيمه الخاصة وقيمه ومبادئه ، تاركا للدنيا إلفها واعتقادها ، ثم .. يؤثر في هذه الدنيا بمفاهيمه وقيمه ومبادئه ، فيصرفها عن طريقها المعوج ، ويوجهها إلى السبيل الصحيح .

(1) سورة الرعد [ 11 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت