جاء الإِسلام والدنيا كلها تقدس ملوكها وأباطرتها وحكامها .. وتعبدها من دون الله .. فهل كان هذا المفهوم السياسي"حتمًا"على الإسلام لأن الدنيا كلها تدين به ؟ أم جاء الإسلام ليعلّم الحكام أن يقولوا:"اسمعوا وأطيعوا ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم"أو يقولوا:"إن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوموني"فيجعلوا من الأمة المهتدية بهدي الله رقيبة على أعمالهم ويطالبوها بالرقابة عليهم ؟!
وجاء الإِسلام والفساد الخلقي يملأ الأرض .. فهل كان هذا المفهوم الخلقي ( الذي لعله كان متطورًا ! ) ذا قوة حتمية على المجتمع الإسلامي تفسد أخلاقه وتهبط به إلى الحيوانية التي ارتفع عنها ؟ أم ظل هذا المجتمع - رغم كل ما أصابه من فساد - أنظف مجتمع عرفه التاريخ ، حتى جاء المستعمرون والمبشرون"يجاهدون"لإفساده مدى قرنين من الزمان ؟!
وجاء الإِسلام وشريعة الغاب هي الحاكمة: القوي يأكل الضعيف .. فهل كان هذا المفهوم الإِنساني الهابط ( الذي"ارتفعت"إليه أوربا في نهضتها الحديثة ! ) ذا قوة حتمية على الإِسلام .. أم جاء الإسلام يقرر مبدأ التعاون بين القادرين وغير القادرين في المجتمع ، ويظل يطبقه أكثر من ألف عام ؟!
إن التطورات ليست حتمية إلا حين يلغي الإِنسان كيانه الإِيجابي ويترك نفسه للأحداث . فعندئذ تقوده الأحداث بطبيعة الحال إلى حيث ينتهي بها التيار ، ما دامت لا تجد تعديلا ولا مقاومة من جانب الإِنسان .
وهي حتمية كذلك حين يكون الإنسان أضعف من أن يقاوم التيار .. وكذلك كان العالم الإِسلامي بعد أن حكمه الاستعمار الصليبي في كل مكان .