وما معنى الإِيمان الجاد بالله إذا دار في خلد المسلم أن هذا التشريع المفصل كله ، الموصول بناموس الكون وقوانين الوجود ، قد كان من أجل تلك الحفنة من العرب في شبه الجزيرة ، وفي فترة محدودة من حياتهم ، هي الفترة القصيرة التي قضاها الرسول صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم ، والله سبحانه وتعالى يقول له في كتابه إن هذا الدين للناس جميعًا:"للعالمين": ( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ) (1) ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (2) وإن القرآن - بكل ما يحوي من تشريعات وتوجيهات - هو الحق: ( وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ) (3) وهذا الحق موصول بناموس الوجود الأكبر: ( وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) (4) فهذا التشريع الحق ، الذي بمقتضاه تجزى كل نفس بما كسبت ، هو من نفس الحق الذي خلق الله به السماوات والأرض ، وليس إذن حقًا جزئيا من أجل تلك الحفنة من العرب في شبه الجزيرة ، ولا موقوتًا بالفترة المحدودة التي قضاها الرسول صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم ، والله يقول للبشرية كافة - للعالمين - في آخر ما نزل من القرآن: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا ) (5) .
ما معنى الإِيمان الجاد بالله إذا دار في خلد المسلم شيء من ذلك كله ، أو ارتاب في"الحق"الذي يحمله هذا الدين ، بكل ما فيه من تشريع وتوجيه ؟
(1) سورة التكوير [ 27 ] .
(2) سورة الحجرات [ 13 ] .
(3) سورة الإسراء [ 105 ] .
(4) سورة الجاثية [ 22 ] .
(5) سورة المائدة [ 3 ] .