وقد كان هذا هو التقدير الصحيح"للإِنسان"في نفوس المسلمين الأوائل الذين عاشوا في ظل الإِسلام . استمدوه من كلام الله وسنة رسوله . وعاشوه في واقع حياتهم . فكان حقًا لهم أن يسودوا الأرض ، وأن يكونوا فيها القوة العليا ، التي تهيمن على البشرية وتقودها في الطريق الصحيح .
فالإسلام في حقيقته هو وضع الإِنسان في وضعه الصحيح . هو تعريف الإِنسان بما يشتمل عليه من طاقات واستعدادت ، ووضع هذه الطاقات والاستعدادات في وضعها الصحيح بعضها من بعض ، ثم إطلاقها للعمل ، في تناسقها وتكاملها ، المتسق مع ناموس الكون ، فتأخذ صورتها الحقيقية: لا قوة أرضية صغيرة محدودة ، ولكن قوة كونية ، متفاعلة مع الكون مهتدية بناموسه الأكبر الذي خلقه الله .
ومن ثم تقع منها تلك المعجزات التي وقعت في هذا المجتمع المسلم ، والتي اقتطفنا منها هذه النماذج المفردة ، والتي سجل لها التاريخ أنها كانت أكبر محاولة جادة لإِقامة الحياة بين الناس في الأرض على أسس من العدالة ، وأكبر محاولة جادة لتنمية الحياة في جميع مرافقها ، المادية والروحية ، الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والعملية .. على مستوى"إنساني"نظيف ، لا يقصر الخير على فئة معينة من الناس بدافع من الأنانية البغيضة ، وإنما يبذل الخير للناس كلهم ، حتى أولئك الذين لا يؤمنون بهذا الدين ، بل حتى أولئك الذين كانوا يحاربونه من الصليبيين !
هذه الصورة العالية من الإيمان .. هذه الصورة العالية من تقويم"الإنسان"ووضعه في الوضع الصحيح بالنسبة"للوجود الإنساني".. هذا الانطلاق العالي بالطاقة البشرية في جميع ميادين العمل والفكر والشعور .. هذه الصورة النظيفة للكيان البشري ، التي لا تخرج به مع ذلك عن بشريته ، وإنما تأخذ منه أفضل ما يعطيه مع المحافظة على كل خصائص الإِنسان .. هذه الصورة العالية كيف انحرفت عن السبيل ؟!