الصفحة 69 من 154

"إنه يحدد التصور الإِسلامي الواضح للقيم ، ويرسم الطريق الشعوري للإِحساس بالدنيا والآخرة ، ويحسم في القلب المسلم كل أرجحة وكل لجلجة بين قيم الدنيا وقيم الآخرة ؛ بين الاتجاه إلى الأرض والاتجاه إلى السماء . ويخلص هذا القلب من كل وشيجة غريبة تحول بينه وبين التجرد لله والخلوص له وحده دون سواه ."

"هذا من جانب . ومن الجانب الآخر يصور لنا الحادث حقيقة حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والذين عاشوا معه واتصلوا به . وأجمل ما في هذه الحقيقة أن تلك الحياة كانت حياة إنسان وحياة ناس من البشر ، لم يتجردوا من بشريتهم ومشاعرهم وسماتهم الإِنسانية . مع كل تلك العظمة الفريدة البالغة التي ارتفعوا إليها ، ومع كل هذا الخلوص لله والتجرد مما عداه . فالمشاعر الإنسانية والعواطف البشرية لم تمت في تلك النفوس ولكنها ارتفعت ، وصفت من الأوشاب . ثم بقيت لها طبيعتها البشرية الحلوة ، ولم تعوق هذه النفوس عن الارتفاع إلى أقصى درجات الكمال المقدر للإِنسان" (1) .

من هذه النماذج المتفرقة التي تجمع بين البطولات النادرة ولحظات الضعف العارض .. تتبين لنا صورة من المجتمع المسلم الذي عاش فيه المسلمون الأوائل ، في ظل إدراكهم الصحيح لمفهوم الإسلام ، وأخذهم الأمور أخذًا جادًا كما ينبغي للمؤمنين بهذا الدين ، الذين يقدرون معنى الإِيمان ، ويقدرون التبعات التي يلقيها على عاتقهم وجودهم الإِنساني الصحيح .

نعم .. ليست المسألة فرائض يفرضها هذا الدين على الناس بلا موجب . إلا رغبة التحكم في العباد !

إنما هو الوجود الإنساني الصحيح .. إذا رغب الإِنسان أن يكون إنسانا حقًا .. لا مجرد كائن يأكل ويشرب ، ويقضي أيامه على هذه الأرض كيفما اتفق ، وكيفما شاءت له نزوة اللحظة التي يعيش فيها .. بلا تقدير لنواميس الكون ، ولا لموضع الإِنسان المتميز في هذا الكون كله .. بوصفه خليفة الله .

(1) في ظلال القرآن جـ 21 ص 6 - 8 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت