وقد مر بنا من قول المستشرق ولفرد كانتول سميث أن المحاولة الإِسلامية لنشر العدالة بين الناس كانت وما تزال أشد المحاولات جدًا وأكثرها جهدًا . كما مر بنا من أقوال غيره من المستشرقين ما يبين كيف امتد المد الإِسلامي في مختلف مرافق الحياة حتى شمل الأرض المعروفة كلها في ذلك الحين ، واستضاءت به أوربا في كل مرفق من مرافق نهضتها الأخيرة في العصر الحديث .
والمعاني"الإِنسانية"التي رسخها المسلمون في الضمير البشري ، والتي التقطتها أوربا في الحروب الصليبية مرة ، وفي الجامعات الإِسلامية في الأندلس والشمال الأفريقي مرة .. داخلة كما مر بنا من قول بروبفولت في كل الأسس الحضارية التي يقوم عليها العالم المتحضر اليوم .
فليس صحيحًا إذن ما اندس في أوهام بعض المسلمين أنفسهم ، من أن الإِسلام قد انتهى بعد فترة الرسول والخلفاء الراشدين !
الصحيح فقط أن الفترة المثالية قد انتهت ، وبدأت فترة"عادية"من تاريخ الإِسلام ، وإن كانت - وهي عادية بالنسبة للإِسلام - أعلى فترة في تاريخ الأرض .
ولكن خط الانحراف بدأت منذ ذلك الحين .
بدأ منذ العصر الأموي أول كسر في المبدائ الإِسلامية في سياسة الحكم وسياسة المال ، إذ بدأ"الملك العضوض"بنظامه الوراثي ومظالمه ، وبدأ ما يشبه الإِقطاع في محيط الأمراء وأتباع السلطان .
ومع ذلك فقد ظل المجتمع إسلاميًا في مجموعه . كانت العاصمة وحدها هي التي فسدت . فسدت فسادًا جزئيا في سياسة الحكم والمال بالنسبة للملوك والأمراء . ولكن ما زال أولئك الحكام أنفسهم - رغم انحرافهم - يقرون بمبادئ الإِسلام ويحكمون شريعة الله في شئون الناس ، كبيرها وصغيرها ، مع التحايل عليها أحيانًا فيما يختص بأشخاصهم وأقربائهم قي شئون الحكم والمال .