وهو فساد ما في ذلك شك . ولكنه كما قلنا فساد جزئي لم يتعد العاصمة إلى بقية المجتمع الإِسلامي . ولم يتأثر به المسلمون - إلا قليلا - في حياتهم اليومية ، فظلوا يعيشون في مفهوم الإسلام ويكيفون به حياتهم ، ويعملون - في عالم الواقع - على نشر المد الإِسلامي في بقاع الأرض ، شاعرين بالعزة التي قررها الله لذاته - سبحانه - ولرسوله وللمؤمنين . شاعرين بالاستعلاء الذي يصنعه الإِيمان في نفوس المؤمنين . شاعرين بالتبعة الكبرى التي يفرضها الإِيمانا عليهم في ذوات أنفسهم وفي مجتمعهم . شاعرين بالإِخاء الحقيقي الذي يجمع المؤمنين بعضهم إلى بعض . شاعرين بالمودة والتعاون . شاعرين أنهم أمة واحدة: يدخل المسلم إلى أي قطر من أقطار الأرض المسلمة ، فإذا هو - بصرف النظر عن الحكومات وخلافاتها - أخ لكل من فيه من المسلمين ، يتلقى منهم المودة والمعونة والأخوة ، ويمنحهم من نفسه ما يمنحونه من نفوسهم . شاعرين أن المال مال الله ، والناس كلهم شركاء فيه ، لا الغني مستأثر ولا الفقير محروم . شاعرين أن سلوكهم الشخصي ينبغي أن يكون مطابقا لما يريده الله ورسوله . بقدر ما وسعهم من جهد - وهو جهد كبير في واقع الأمر - وأن شريعة الله هي المصدر الدائم للحياة ، والدستور الذي لا دستور غيره لحكم حياتهم وتنظيم العلاقات بين الناس . وأن عليهم أن يعملوا في عالم الواقع بالعلم والعمل والجهد الجاد لتحقيق الاستعلاء والقوة ، وهداية البشرية كلها إلى النور .
وفي ذلك كانت الفتوح التي يعرفها التاريخ في كل مناحي الحياة .