الصفحة 76 من 154

ثم جاء العصر العباسي .. ودخل الفرس في توجيه سياسة الدولة وتشكيل صورتها . ودخل في"الفكر الإِسلامي"بعض المفاهيم الغريبة عليه - وأبرزها الصوفية والفلسفة النظرية التجريدية الغريبة على التصور الإِسلامي في واقعيته المثالية - كما دخل العاصمة كثير من ألوان الفساد الخلقي ، وانتشر في قصور الخلفاء والأمراء والأتباع جو من اللهو والفسوق والتفاهة والانصراف عن الكدح والجد .. لا يعرفه الإِسلام ولا يمكن أن يسيغه . من جوارٍ ومطربين وملهين ، وألوان من البذخ الفاحش ، والترف الفاجر ، و"أدباء"يُمِدُّون لهذا كله ليرتزقوا .. ويقدمون المادة المتعفنة التي تستهلكها هات القصور ، ويبعدون"بالفن"عما يمكن أن يكون فنًا إسلاميًا حقيقيًا ، ينبع من الحقيقة الإِسلامية الكونية ويترجم عنها ، ويجعلون منه أداة للزلفى حينًا ، وللتلهية والتطريب حينًا آخر .. وقلما يعبرون فيه عن معاني الحياة .

وانعكس شيء من هذا كله على المجتمع الإِسلامي ولا شك . ولكنا نأخذ صورة غير صحيحة عن هذا المجتمع إذا تصورناه كله على صورة العاصمة الفاسدة المنحلة ، وقصور الخلفاء والأمراء والأتباع التي تزخر بالترف والفجور .

ولئن كانت كتب التاريخ - والغربي منها خاصة - قد عنيت عناية كبيرة بإبراز هذه الصورة للإِسلام في تلك الفترة ، فالذي يعرف - إلى ما قبل جيل واحد - كيف كانت تعيش العاصمة وكيف كان يعيش الريف في كل البلاد الإِسلامية ، يدرك من فوره ذلك الفارق الكبير بين الحياتين ، ويدرك أن فساد العاصمة وتبذّلها لا يعني شيئًا كثيرًا بالنسبة لبقية المجتمع ، المحافظ على تقاليده ، بعيدًا عن العاصمة وترفها المجنون .

ونحن هنا لا نؤرخ - كما تصنع كتب التاريخ - لملوك المسلمين و"خلفائهم".. وإنما نستعرض تاريخ المجتمع الإِسلامي ، تاريخ الأفراد العاديين الذين يكوّنون مجموع الأمة ، ويمثلون حقيقة الفكرة التي يعتنقونها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت